فصل: تفسير الآيات رقم (72- 76)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: نظم الدرر في تناسب الآيات والسور ***


تفسير الآيات رقم ‏[‏51- 55‏]‏

‏{‏وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا ‏(‏51‏)‏ وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا ‏(‏52‏)‏ وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا ‏(‏53‏)‏ وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا ‏(‏54‏)‏ وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا ‏(‏55‏)‏‏}‏

ولما كان موسى أول من نوه الله بأسمائهم، على لسانه في التوراة، وأظهر محامدهم، وشهر مناقبهم، وتوارث ذلك أبناؤهم منه حتى شاع أمرهم وذاع، وملأ الأسماع، وطار في الأقطار، حتى عم البراري والبحار، عقب ذكرهم بذكره فقال‏:‏ ‏{‏واذكر في الكتاب‏}‏ أي الذي لا كتاب مثله في الكمال ‏{‏موسى‏}‏ أي الذي أنقذ الله به بني إسرائيل من العبودية والذل ختى تمكنوا من آثار آبائهم، وكان موافقاً لأبيه إبراهيم عليهم السلام في أن كلاً منهما أراد ملك زمانه الذي ادعى الربوبية قتله خوفاً على ملكه منه، فأنجاه الله منه، وأمر موسى أعجب لأنه سبحانه أنجاه من الذبح بالذباح، ثم علل ذكره له بقوله‏:‏ ‏{‏إنه كان‏}‏ أي كوناً عريقاً فيه ‏{‏مخلصاً‏}‏ لله تعالى في توحيده وجميع أعماله كما أشارت إليه قراءة الجمهور- من غير كلفة في شيء، في ذلك لأن الله أخلصه له كما في قراءة الكوفيين بالفتح ‏{‏وكان رسولاً‏}‏ إلى بني إسرائيل والقبط ‏{‏نبياً *‏}‏ ينبئه الله بما يريد من وحيه لينبئ به المرسل إليهم، فيرفع بذلك قدره، فصار الإخبار بالنبوة عنه مرتين‏:‏ إحداهما في ضمن ‏{‏رسولاً‏}‏ والأخرى صريحاً مع إفهام العلو باشتقاقه من النبوة، وبكون النبأ لا يطلق عليه غالباً إلا على خبر عظيم، فصار المراد‏:‏ رسولاً عالياً مقداره ويخبر بالأخبار الجليلة، وفيه دفع لما يتوهم من أنه رسول عن بعض رسله كما في أصحاب يس؛ وعطف على ذلك دليله الدال على ما صدرت به السورة من الرحمة، فرحمه بتأنيس وحشته وتأهيل غربته بتلذيذه بالخطاب وإعطائه الكتاب فقال‏:‏ ‏{‏وناديناه‏}‏ أي بما لنا من العظمة ‏{‏من جانب الطور‏}‏ أي الجانب ‏{‏الأيمن‏}‏ فأنبأناه هنالك- حين كان متوجهاً إلى مصر- بأنه رسولنا، ثم واعدناه إليه بعد إغراق آل فرعون، فكان لبني إسرائيل به من العجائب في رحمتهم بإنزال الكتاب، والإلذاذ بالخطاب، من جوف السحاب، وفي إماتتهم لما طلبوا الرؤية، ثم إحيائهم وغير ذلك ما يجل عن الوصف على ما هو مذكور في التوراة، وتقدم كثير منه في هذا الكتاب ‏{‏وقربناه‏}‏ بما لنا من العظمة تقريب تشريف حال كونه ‏{‏نجيّاً *‏}‏ نخبره من أمرنا بلا واسطة من النجوى وهي السر والكلام بين الاثنين كالسر، والتشاور كما في يوسف ويأتي في المجادلة ‏{‏ووهبنا له‏}‏ أي هبة تليق بعظمتنا ‏{‏من رحمتنا‏}‏ له لما سألنا ‏{‏أخاه‏}‏ أي معاضدة أخيه وبينه بقوله‏:‏ ‏{‏هارون‏}‏ حال كونه ‏{‏نبياً *‏}‏ أو هو بدل أي نبوته شددنا به أزره، وقوينا به أمره، وكان يخلفه من قومه عند ذهابه إلى ساحة المناجاة، ومع ذلك فأشركوا بي صورة عجل، فلا تعجب من غرورهم للعرب مع مباشرتهم لهذه العظائم‏.‏

ولما كان إسماعيل عليه الصلاة والسلام هو الذي ساعد أباه إبراهيم عليه السلام في بناء البيت الذي كان من الأفعال التي أبقى الله بها ذكره، وشهر أمره وكان موافقاً لموسى عليه السلام في ظهور آية الماء الذي به حياة كل شيء وإن كانت آية موسى عليه السلام انقضت بانقضائه، وآيته هو باقية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وهي التي كانت سبب حياته وماؤها ببركته أفضل مياه الأرض، وجعل سبحانه آية الماء التي أظهرها له سبب حفظه من الجن والإنس والوحش وسائر المفسدين، إشارة إلى أنه سبحانه يحيي بولده محمد صلى الله عليه وسلم الذي غذاه بذلك الماء ورباه عند ذلك البيت إلى أن اصطفاه برسالته، فحسدته اليهود وأمرت بالتعنت عليه- ما لم يحي بغيره، ويجعله قطب الوجود كما خصه- من بين آل إبراهيم عليه السلام- بالبيت الذي هو كذلك قطب الوجود، ويشفي به من داء الجهل، ويغني به من مرير الفقر، كما جعل ماء زمزم طعام طعم وشفاء سقم، وكان صلى الله عليه وسلم آخر من شيد قدرهم، وأعظم من أعلى ذكرهم، عقب ذكره بذلك فقال‏:‏ ‏{‏واذكر في الكتاب‏}‏ أباك الأقرب ‏{‏إسماعيل‏}‏ ابن إبراهيم عليهما السلام الذي هم معترفون بنبوته، ومفتخرون برسالته وأبوته، فلزم بذلك فساد تعليلهم إنكار نبوتك بأنك من البشر، ثم علل ذكره والتنويه بقدره بقوله معلماً بصعوبة الوفاء بالتأكيد‏:‏ ‏{‏إنه كان‏}‏ جبلة وطبعاً ‏{‏صادق الوعد‏}‏ في حق الله وغيره لمعونة الله له على ذلك، بسبب أنه لا يعد وعداً إلا مقروناً بالاستثناء كما قال لأبيه حين أخبرهم بأمر ذبحه ‏{‏ستجدني إن شاء الله من الصابرين‏}‏ فكن أبي كذلك ولا تقولن لشي إني فاعل ذلك غداً إلا أن يشاء الله، وخصه بالمدح به- وإن كان الأنبياء كلهم كذلك- لقصة الذبح فلا يلزم منه تفضيله ‏{‏وكان رسولاً نبياً‏}‏ نبأه الله بأخباره، وأرسله إلى قومه جرهم قاله الأصبهاني‏.‏ وأتى أهل البراري بدين أبيه إبراهيم عليهما الصلاة والسلام فأحياها الله بنور الإيمان الناشئ عن روح العلم ووصفه بالرسالة زيادة على وصف أخيه إسحاق عليهما السلام وتقدم في أمر موسى عليه السلام سر الجمع بين الوصفين؛ وفي صحيح مسلم وجامع الترمذي- عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه «أن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل عليه السلام» وفي رواية الترمذي «أن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل» ‏{‏وكان يأمر أهله بالصلاة‏}‏ التي هي طهرة البدن وقرة العين وخير العون على جميع المآرب ‏{‏والزكاة‏}‏ التي هي طهرة المال، كما أوصى الله بذلك جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وتقدم في هذه السورة أنه سبحانه وتعالى أوصى بذلك عيسى عليه السلام ‏{‏وكان عند ربه‏}‏ لعبادته على حسب ما أقامته ربوبيته ‏{‏مرضياً *‏}‏ فاقتد أنت به فإنه من أجل آبائك، لتجمع بين طهارة القول والبدن والمال، فتنال رتبة الرضا‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏56- 59‏]‏

‏{‏وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا ‏(‏56‏)‏ وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا ‏(‏57‏)‏ أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آَدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا ‏(‏58‏)‏ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ‏(‏59‏)‏‏}‏

ولما كان إسماعيل عليه السلام قد رفع بالسكنى حياً إلى أعلى مكان في الأرض رتبة، وكان أول نبي رمى بالسهام، وكان إدريس عليه السلام- مع رفعته إلى المكان العلي- أول من اتخذ السلاح وقاتل الكفار، وأول من نظر في علم النجوم والحساب، وخط بالقلم، وخاط الثياب ولبس الجبة وكان أغربهم قصة، وأعجبهم أمراً، وأقدمهم زمناً، ختم به هذه القصص تأييداً لهذا النبي الكريم، بما بين له من القصص التي هي أغرب مما أمر اليهود بالتعنت فيه، وإشارة إلى أن الله تعالى يؤتي أتباعه من علوم إدريس الأرضية والسماوية مما يستحق أن يحفظ بالخط ويودع بطون الكتب لضيق الصدور عن حفظه ما لم يؤته أمة من الأمم، وأنه يجمع شملهم، وترهيباً للمتعنتين بأنهم إن لم ينتهوا وضع فيهم السلاح كما فعل إدريس عليه السلام بكفار زمانه فقال‏:‏ ‏{‏واذكر في الكتاب‏}‏ أي الجامع لكل ما يحتاج إليه من القصص المتقدمين والمتأخرين ‏{‏إدريس‏}‏ أي الذي هو أبعد ممن تعنت بهم اليهود زماناً، وأخفى منهم شأناً، وهو جد أبي نوح عليه السلام واسمه حنوخ بمهملة ونون وآخره معجمة ‏{‏إنه كان صديقاً‏}‏ أي صادقاً في أقواله وأفعاله، ومصدقاً بما أتاه عن الله من آياته على ألسنة الملائكة ‏{‏نبياً *‏}‏ ينبئه الله تعالى بما يوحيه إليه من الأمر العظيم، رفعة لقدره، فينبئ به الناس الذين أرسل إليهم ‏{‏ورفعناه‏}‏ جزاء منا له على تقواه وإحسانه، رفعة تليق بعظمتنا، فأحللناه ‏{‏مكاناً علياً *‏}‏ أي الجنة أو السماء الرابعة، وهي التي رآه النبي صلى الله عليه وسلم بها ليلة الإسراء؛ قال ابن قتيبة في المعارف‏:‏ وفي التوراة أن أخنوخ أحسن قدام الله فرفعه إليه- انتهى‏.‏ وفي نسخة ترجمه التوراة وهي قديمة جداً وقابلتها مع بعض فضلاء الربانيين من اليهود وعلى ترجمة سعيد الفيومي بالمعنى وكان هو القارئ ما نصه‏:‏ وكانت جميع حياة حنوخ ثلاثمائة وخمساً وستين سنة، فأرضى حنوخ الله ففقد لأن الله غيبه، وفي نسخة أخرى‏:‏ لأن الله قبله، وفي أخرى‏:‏ لأن الله أخذه‏.‏ وهو قريب مما قال ابن قتيبة، لأن أصل الكلام عبراني، وإنما نقله إلى العربي المترجمون، فكل ترجم على قدر فهمه من ذلك اللسان، ويؤيد أن المراد الجنة ما في مجمع الزوائد للحافظ نور الدين الهيثمي عن معجمي الطبراني- الأوسط والأصغر إن لم يكن موضوعاً‏:‏ حدثنا محمد بن واسط ثنا إبراهيم بن عبد الله بن خالد المصيصي ثنا حجاج بن محمد بن أبي غسان محمد بن مطرف عن زيد ابن أسلم عن عبيد الله بن أبي رافع عن أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏

«إن إدريس عليه السلام كان صديقاً لملك الموت فسأله أن يريه الجنة والنار، فصعد بإدريس فأراه النار ففزع منها، وكاد يغشى عليه فالتف عليه ملك الموت بجناحه، فقال ملك الموت‏:‏ أليس قد رأيتها‏؟‏ قال‏:‏ بلى‏!‏ ولم أر كاليوم قط، ثم انطلق به حتى أراه الجنة فدخلها فقال له ملك الموت‏:‏ انطلق‏!‏ قد رأيتها، قال‏:‏ إلى أين‏؟‏ قال ملك الموت‏:‏ حيث كنت، قال إدريس‏:‏ لا والله‏!‏ لا أخرج منها بعد إذ دخلتها، فقيل لملك الموت‏:‏ أليس أنت أدخلته إياها وأنه ليس لأحد دخلها أن يخرج منها»‏.‏

وقال‏:‏ لا يروى عن أم سلمة إلا بهذا الإسناد، وقال الحافظ نور الدين‏:‏ إبراهيم المصيصي متروك‏.‏ قلت وفي لسان الميزان لتلميذه شيخنا حافظ العصر ابن حجر عن الذهبي أنه كذاب، وعن ابن حبان أنه كان يسوي الحديث، أي يدلس تدليس التسوية‏.‏ وفي تفسير البغوي عن وهب قريب من هذا، وفيه أنه سأل ملك الموت أن يقبض روحه ويردها إليه بعد ساعة، فأوحى الله إليه أن يفعل، وفيه أنه احتج في امتناعه من الخروج بأن كل نفس ذائقة الموت وقد ذاقه، وأنه لا بد من ورود النار وقد وردها، وأنه ليس أحد يخرج من الجنة، فأوحى الله إلى ملك الموت‏:‏ بإذني دخل الجنة- يعني‏:‏ فخلِّ سبيله- فهو حي هناك‏.‏ وفي تفسير البغوي أيضاً عن كعب وغيره أن إدريس عليه السلام مشى ذات يوم في حاجة فأصابه وهج الشمس فقال‏:‏ يا رب‏!‏ فكيف بمن يحملها‏؟‏ اللهم‏!‏ خفف عنه من ثقلها، فخفف عنه فسأل ربه عن السبب فأخبره فسأل أن يكون بينهما خلة، فأتاه فسأله إدريس عليه السلام أن يسأل ملك الموت أن يؤخر أجله، فقال‏:‏ لا يؤخر الله نفساً إذا جاء أجلها، وأنا مكلمه، فرفع إدريس عليه السلام فوضعه عند مطلع الشمس، ثم أتى ملك الموت وكلمه فقال‏:‏ ليس ذلك إليّ، ولكن إن أحببت أعلمته أجله فيتقدم في نفسه، قال‏:‏ نعم‏!‏ فنظر في ديوانه فقال‏:‏ إنك كلمتني في إنسان ما أراه يموت أبداً، قال‏:‏ وكيف ذلك‏؟‏ قال‏:‏ لا أجده يموت إلا عند مطلع الشمس، قال‏:‏ فإني أتيتك وتركته هناك، قال‏:‏ انطلق فلا أراك تجده إلا وقد مات، فوالله ما بقي من أجل إدريس- عليه السلام- شيء، فرجع الملك فوجده ميتاً‏.‏ ومن جيد المناسبات أن إسماعيل وإدرس عليهما الصلاة والسلام اشتركا في البيان بالعلم واللسان، فإسماعيل عليه السلام أول من أجاد البيان باللسان، وإدريس عليه السلام أول من أعرب الخطاب بالكتاب، فقد روى الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «أول من فتق لسانه بهذه العربية إسماعيل عليه السلام»

ولأحمد عن أبي ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «أول من خط بالقلم إدريس عليه السلام»‏.‏

ولما انقضى كشف هذه الأخبار، العلية المقدار، الجليلة الأسرار، شرع سبحانه ينسب أهلها بأشرف نسبهم، ويذكر أمتن سببهم هزاً لمن وافقهم في النسب إلى الموافقة في السبب فقال‏:‏ ‏{‏أولئك‏}‏ أي العالو الرتب، الشرفاء النسب ‏{‏الذين أنعم الله‏}‏ بما له من صفات الكمال التي بها أقام آدم عليه السلام وهم في ظهره، مع ما طبعه عليه من الأمور المتضادة حتى نجاه من مكر إبليس، ونجى بها نوحاً عليه السلام وهم في صلبه من ذلك الكرب العظيم، وإبراهيم عليه السلام وهم في قواه مع اضطرام النار وإطفاء السن وإصلاد العظم، وأعلى بها إسرائيل عليه السلام وبنيه في سوط الفراق وامتهان العبودية وانتهاك الاتهام حتى كان أبناؤه معدن الملوك والأنبياء، ومحل الأتقياء والأصفياء، إلى غير ذلك من جليل الأنبياء وعظيم الأصطفاء والاجتباء ‏{‏عليهم‏}‏ بما خصهم به من مزيد القرب إليه، وعظيم المنزلة لديه؛ وبين الموصول بقوله‏:‏ ‏{‏من النبيين‏}‏ أي المصطفين للنبوة الذين أبنأهم الله بدقائق الحكم، ورفع محالهم بين الأمم، وأنبؤوا الناس بجلائل الكلم، وأمروهم بطاهر الشيم‏.‏

ولما كانوا بعض بني آدم الذين تقدم أنا كرمناهم، قال إشارة إلى ما في ذلك من النعمة عليهم وهم يرونها‏:‏ ‏{‏من ذرية ءادم‏}‏ صفينا أبي البشر الذي خلقه الله من التراب بيده، وأسجد له ملائكته، وإدريس أحقهم بذلك‏.‏

ولما كان في إنجاء نوح عليه السلام وإغراق قومه من القدرة الباهرة ما لا يخفى، نبه عليه بنون العظمة في قوله مشيراً إلى أعظم النعمة عليهم بالتبعيض، وإلى أن نبيهم من ذريته كما كان هو من ذرية إدريس عليه السلام الذي هو من ذرية آدم، فكما كان كل منهم رسولاً فكذلك هو وإبراهيم أقربهم إلى ذلك‏:‏ ‏{‏وممن حملنا مع نوح‏}‏ صفينا أول رسول أرسلناه بعد افتراق أهل الأرض وإشراكهم، من خلص العباد، وأهل الرشاد، وجعلناه شكوراً، وإبراهيم أقربهم إلى ذلك ‏{‏ومن ذرية إبراهيم‏}‏ خليلنا الذي كان له في إعدام الأنداد ما اشتهر به من فضله بين العباد، وإسماعيل وإسحاق أولاهم بذلك، ثم يعقوب ‏{‏وإسراءيل‏}‏ صفينا، وهم الباقون‏:‏ موسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى ابن مريم بنت داود- على جميعهم أفضل الصلاة والسلام- فكما كان هؤلاء رسلاً وهم من ذرية إبراهيم الذي هو من ذرية نوح فكذا نبيكم الذي هو من ذرية إسماعيل الذي هو من إبراهيم لصلبه وهو أول أولاده كما كان إسرائيل من ذريته، فالإرسال من ذرية من هو ابنه لصلبه أولى من الإرسال من ذرية من بينه وبينه واسطة، وإلا كان بنو إسرائيل أشرف منكم وأبوهم أشرف من أبيكم، فلا تردوا الكرامة، يا من يتنافسون في المفاخرة والزعامة ‏{‏وممن هدينا‏}‏ إلى أقوم الطرق ‏{‏واجتبينا‏}‏ أي فعلنا بهم فعل من يتخير الشيء وينتقيه بأن أسبغنا عليهم من النعم ما يجل عن الوصف؛ وعطف الأوصاف بالواو إشارة إلى التمكن فيها‏.‏

ولما ذكر ما حباهم به، ذكر ما تسبب عن ذلك فقال مستأنفاً ‏{‏إذا تتلى عليهم ءايات الرحمن‏}‏ العام النعمة، فكيف بهم إذا أعلاهم جلال أو خصتهم رحمة من جلائل النعم، من فيض الجود والكرم، فسمعوا خصوص هذا القرآن ‏{‏خروا سجداً‏}‏ للمنعم عليهم تقرباً إليه، لما لهم من البصائر المنيرة في ذكر نعمه عليهم وإحسانه إليهم ‏{‏وبكياً *‏}‏ خوفاً منه وشوقاً إليه، فوصفهم بسرعة الخشوع من ذكر الله الناشئ عن دوام الخضوع والناشئ عنه الإسراع بالسجود في حالة البكاء، وجعلهما حالتين بالعطف بالواو لعراقة المتحلي بهما في كل منهما عل انفراده، وعبر بالاسم في كل من السجود والبكاء، إشارة إلى أن خوفهم دائم كما أن خضوعهم دائم لعظمة الكبير الجليل، لأن تلك الحضرة لا تغيب عنهم أصلاً، وإن حصل غير البكاء فللتأنيس لمن أرسلوا إليه ليوصلوه إلى قريب من رتبتهم بحسن عشرتهم على تفاوت المراتب، وتباين المطالب، وحذف ذكر الأذقان لدلالتها- كما تقدم في سبحان- على نوع دهشة، فهي- وإن أعلت صاحبها عمن لم يبلغها- حالة دون مقام الراسخين في حضرة الجلال، لأنهم- مع كونهم في الذروة من مقام الخوف- في أعلى درجات الكمال من حضور الفكر وانشراح الصدر- لتلقي واردات الحق وإلقائها إلى الخلق، انظر إلى ثبات الصديق رضي الله عنه- لعلو مقامه عن غيره- عند وفاة النبي صلى الله عليه وسلم مع أنه أوفاهم من المحبة مشرباً، وأصفاهم مورداً، وأوفرهم حزناً، وأكثرهم غماً وهماً، حتى أنه اعتراه لذلك مرض السل حتى مات به وجداً وأسفاً ومن هنا تعلم السر في إرسال النبي صلى الله عليه وسلم الأنبجانية التي ألهت في الصلاة بأعلامها في الصلاة إلى أبي جهم لأنه رضي الله عنه ربما كان من أهل الجمع في الصلاة فلا يرى غيره سبحانه فناء عن كل فان بخلاف النبي فإنه لكماله متمكن في كل من مقامي الجمع والفرق في كل حالة ولهذا يرى من خلفه في الصلاة ولا يخفى عليه خشوعهم‏.‏

ولما كان من المقاصد العظيمة تبكيت اليهود، لأنهم أهل الكتاب وعندهم من علوم الأنبياء ما ليس عند العرب وقد استرشدوهم واستنصحوهم، فقد كان أوجب الواجبات عليهم محض النصح لهم، فأبدى سبحانه من تبكيتهم ما تقدم إلى أن ختمه بأن جميع الأنبياء كانوا لله سجداً ولأمره خضعاً، عقب ذلك بتوبيخ هو أعظم داخل فيه وهو أشد مما تقدم لمن خاف الله ورسله فقال‏:‏ ‏{‏فخلف من بعدهم‏}‏ أي في بعض الزمان الذي بعد هؤلاء الأصفياء سريعاً ‏{‏خلف‏}‏ هم في غاية الرداءة ‏{‏أضاعوا الصلاة‏}‏ الناهية عن الفحشاء والمنكر التي هي طهرة الأبدان، وعصمة الأديان، وأعظم الأعمال، بتركها أو تأخيرها عن وقتها والإخلال بحدودها، فكانوا لما سواها أضيع، فأظلمت قلوبهم فأعرضوا عن داعي العقل ‏{‏واتبعوا‏}‏ أي بغاية جهدهم ‏{‏الشهوات‏}‏ التي توجب العار في الدنيا والنار في الآخرة، فلا يقربها من يستحق أن يعد بين الرجال، من تغيير أحكام الكتاب وتبديل ما فيه مما تخالف الأهواء كالرجم في الزنا، وتحريم الرشى والربا، ونحو ذلك، وأعظمه كتم البشارة بالنبي العربي الذي هو من ولد إسماعيل ‏{‏فسوف يلقون‏}‏ أي يلابسون- وعدا لا خلف فيه بعد طول المهلة- جزاء فعلهم هذا ‏{‏غيّاً *‏}‏ أي شراً يتعقب ضلالاً عظيماً، فلا يزالون في عمى عن طريق الرشاد لا يستطيعون إليه سبيلاً، وهم على بصيرة من أنهم على خطأ وضلال، ولكنهم مقهورون على ذلك بما زين لهم منه حتى صارت لهم فيه أتم رغبة، وذلك أعظم الشر، ولم يزل سبحانه يستدرجهم بالنعم إلى أن قطعوا بالظفر والغلبة حتى أناخت بهم سطوات العزة، فأخذوا على غرة، ولا أنكأ من الأخذ على هذه الصفة بعد توطين النفس على الفوز، وهو من وادي قوله

‏{‏ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عمياً وبكماً وصماً‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 97‏]‏ مع قوله ‏{‏أسمع بهم وأبصر‏}‏ وجزاء من كان هذا ديدنه في الدنيا والآخرة معروف لكل من له أدنى بصيرة أنه العار ثم النار، وأيضاً فإن من ضل أخطأ طريق الفلاح من الجنة وغيرها فخاب، ومن خاب فقد هلك؛ قال أبو علي الجبائي‏:‏ والغي هو الخيبة في اللغة- انتهى‏.‏ ويجوز أن يراد بالغي الهلاك، إما من قولهم- أغوية- وزن أثفية- أي مهلكة، وإما من تسمية الشيء باسم ما يلزمه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏60- 65‏]‏

‏{‏إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا ‏(‏60‏)‏ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا ‏(‏61‏)‏ لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا ‏(‏62‏)‏ تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا ‏(‏63‏)‏ وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا ‏(‏64‏)‏ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا ‏(‏65‏)‏‏}‏

ولما أخبر تعالى عنهم بالخيبة، فتح لهم باب التوبة، وحداهم إلى غسل هذه الحوبة، بقوله‏:‏ ‏{‏إلا من تاب‏}‏ أي مما هو عليه من الضلال، بإيثار سفساف الأعمال، على أوصاف الكمال، فحافظ على الصلاة، وكف نفسه عن الشهوات ‏{‏وءامن‏}‏ بما أخذ عليه به العهد ‏{‏وعمل‏}‏ بعد إيمانه تصديقاً له ‏{‏صالحاً‏}‏ من الصلوات والزكاة وغيرها، ولم يؤكدهما لما أفهمته التوبة من إظهار عمل الصلاة التي هي أم العبادات ‏{‏فأولئك‏}‏ العالو الهمم، الطاهرو الشيم ‏{‏يدخلون الجنة‏}‏ التي وعد المتقون ‏{‏ولا يظلمون‏}‏ من ظالم ما ‏{‏شيئاً *‏}‏ من أعمالهم؛ ثم بينها بقوله‏:‏ ‏{‏جنات عدن‏}‏ أي إقامة لا ظعن عنها بوجه من الوجوه ‏{‏التي وعد الرحمن‏}‏ الشامل النعم ‏{‏عباده‏}‏ الذين هو أرحم بهم من الوالدة بولدها؛ وعبر عنهم بوصف العبودية للإشعار بالتحنن، وعداً كائناً ‏{‏بالغيب‏}‏ الذي لا اطلاع لهم عليه أصلاً إلا من قبلنا، فآمنوا به فاستحقوا ذلك بفضله سبحانه على إيمانهم بالغيب‏.‏

ولما كان من شأن الوعود الغائبة- على ما يتعارفه الناس بينهم- احتمال عدم الوقوع، بين أن وعده ليس كذلك بقوله‏:‏ ‏{‏إنه كان‏}‏ أي كوناً هو سنة ماضية ‏{‏وعده مأتيّاً *‏}‏ أي مقصوداً بالفعل، فلا بد من وقوعه، فهو كقوله تعالى ‏{‏إن كان وعد ربنا لمفعولاً‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 108‏]‏‏.‏

ولما كانت الجنة دار الحق، وكان أنكأ شيء لذوي الأقدار الباطل، وكان أقل ما ينكأ منه سماعه، نفى ذلك عنها أبلغ وجه فقال‏:‏ ‏{‏لا يسمعون فيها لغواً‏}‏ أي شيئاً ما من الباطل الذي لا ثمرة له‏.‏ ولما كانت السلامة ضد الباطل من كل وجه، قال‏:‏ ‏{‏إلا‏}‏ أي لكن ‏{‏سلاماً‏}‏ لا عطب معه ولا عيب ولا نقص أصلاً فيه، وأورد على صورة الاستثناء من باب قول الشاعر‏:‏

ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم *** بهن فلول من قراع الكتائب

ويحسن أن يراد باللغو مطلق الكلام؛ قال في القاموس‏:‏ لغا لغواً‏:‏ تكلم‏.‏ أي لا يسمعون فيها كلاماً إلا كلاماً يدل على السلامة، ولا يسمعون شيئاً يدل على عطب أحد منهم ولا عطب شيء فيها‏.‏

ولما كان الرزق من أسباب السلامة قال‏:‏ ‏{‏ولهم رزقهم‏}‏ أي على قدر ما يتمنونه ويشتهونه على وجه لا بد من إتيانه ولا كلفة عليهم فيه ولا يمن عليهم به ‏{‏فيها بكرة وعشياً *‏}‏ أي دواماً، لا يحتاجون إلى طلبه في وقت من الأوقات، وفي تفسير عبد الرزاق عن مجاهد‏:‏ وليس فيها بكرة ولا عشي، لكنهم يؤتون به على ما كانوا يشتهون في الدنيا‏.‏ أي أنهم خوطبوا بما يعرفون كما أشار إليه تأخير الظرف إذ لو قدم لأوهم بعدهم عن ذلك بالجنة‏.‏

ولما باينت بهذه الأوصاف دار الباطل، أشار إلى علو رتبتها وما هو سببها بقوله‏:‏ ‏{‏تلك الجنة‏}‏ بأداة البعد لعلو قدرها، وعظم أمرها ‏{‏التي نورث‏}‏ أي نعطي عطاء الإرث الذي لا نكد فيه من حين التأهل له بالموت ولا كد ولا استرجاع ‏{‏من عبادنا‏}‏ الذين أخلصناهم لنا، فخلصوا عن الشرك نية وعملاً ‏{‏من كان‏}‏ أي جبلة وطبعاً ‏{‏تقياً *‏}‏ أي مبالغاً في التقوى، فهو في غاية الخوف منا لاستحضاره أنه عبد؛ قال الرازي في اللوامع‏:‏ وما تقرب أحد إلى ربه بشيء أزين عليه من ملازمة العبودية وإظهار الافتقار، والعبد يكون ذليلاً بأوصافه، عزيزاً بأوصاف الحق تعالى- انتهى‏.‏

وذلك إشارة إلى سبب إيراثها التقوى‏.‏

ولما كرر سبحانه الوصف بالتقى في هذه السورة ثلاث مرات، وختمه بأنه سبب للمقصود بالذات، وهو الراحة الدائمة بالوراثة لدار الخلد على وجه الإقامة المستمرة، وصفة الملك الذي لا كدر فيه بوجه ولا تخلف عن مراد، أتبعه ما بعده إشارة إلى ما تنال به التقوى، وهو الوقوف مع الأمر مراقبة للأمر على ‏{‏وبالحق أنزلناه‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 105‏]‏ لأنه لما كان العلم واقعاً بأن جميع سورة الكهف شارحة لمسألتين من مسائل قريش، وبعض سورة سبحان شارح للثالثة، ولطول الفصل صدرت قصة ذي القرنين بقوله ‏{‏ويسألونك‏}‏ إعلاماً بعطفها على مسألة الروح المصدرة بمثل ذلك، وجاءت سورة مريم كاشفة- تبكيتاً لأهل الكتاب الكاتمين للحق- عن أغرب من تلك القصص وأقدم زماناً وأعظم شأناً من أخبار الأنبياء المذكورين ومن أسرع التبديل بعدهم بإضاعة الصلاة واتباع الشهوات، فثبت بذلك أن هذا كله مرتب لإجابة سؤالهم وأنه كلام الله قطعاً، إذ لو كان من عند النبي صلى الله عليه وسلم ما وعدهم الإجابة في الغد إلا وهو قادر عليها، لما هو معلوم قطعاً من رزانة عقله، وغزارة فطنته، ومتانة رأيه، ولو قدر على ذلك ما تركهم يتكلمون في عرضه بما الموت أسهل منه، لما علم منه من الشهامة والأنفة والبعد عما يقارب الشين، وبان بذلك أن الله سبحانه وعز شأنه ما أجمل أمر الروح ولا أخر الإجابة خمس عشرة ليلة أو أقل أو أكثر من عجز ولا جهل، وثبت بذلك كله وبما بين من صنعه لأهل الكهف ولذي القرنين وفي ولادة يحيى وعيسى وإسحاق عليهم الصلاة والسلام تمام قدرته المستلزم لكمال علمه، وكان الإخبار عن ذلك مطابقاً للواقع الذي ثبت بعضه بالنقل الصحيح وبعضه بأدلة العقل القاطعة، ثبت مضمون قوله تعالى ‏{‏وبالحق أنزلناه وبالحق نزل‏}‏ وأن هذا الكتاب قيم لا عوج فيه، فعطف عليه الجواب عن قول النبي صلى الله عليه وسلم لجبرئيل عليه الصلاة والسلام «لقد أبطات عليّ يا جبرئيل حتى سؤت ظناً» ونحوه مما ذكر في أسباب النزول، فقال على لسان جبرئيل عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏{‏وما نتنزل‏}‏ أي أنا ولا أحد من الملائكة بإنزال الكتاب ولا غيره ‏{‏إلا بأمر ربك‏}‏ المحسن إليك في جميع الأمر في التقديم والتأخير لئلا يقع في بعض الأوهام أنه حق في نفسه، ولكنه نزل بغير أمره سبحانه، ووقع الخطاب مقترناً بالوصف المفهم لمزيد الإكرام تطييباً لقلبه صلى الله عليه وسلم وإشارة إلى أنه محسن إليه، ولفظ التنزل مشير إلى الإكرام، وهو التردد مرة بعد مرة ووقتاً غب وقت، ولا يكون إلا لذلك لأن النزول للعذاب يقتضي به الأمر في مثل لمح البصر، وكان هذا عقب ذكر القيامة بذكر الجنة كما كان المعطوف عليه عقب

‏{‏فإذا جاء وعد الآخرة‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 7‏]‏ وكما كان ختام مسائلهم بذكر الآخرة في قوله ‏{‏فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 98‏]‏- إلى آخر السورة ليكون ذلك أشد تثبيتاً للبعث وأعظم تأكيداً، وإن استطلت هذا العطف مع بعد ما بين المعطوف والمعطوف عليه واستعظمته واستنكرته لذلك واستبعدته فقل‏:‏ لما كشفت هذه السورة عن هذه القصص الغريبة، وكان المتعنتون ربما قالوا‏:‏ نريد أن يخبرنا هذا الذي ينزل عليك بجميع أنباء الأقدمين وأخبار الماضين، قال جواباً عن ذلك أن قيل‏:‏ ما أنزلنا عليك بأخبار هؤلاء إلا بأمر ربك، وما نتنزل فيما يأتي أيضاً إلا بأمر ربك؛ ثم علل ذلك بقوله‏:‏ ‏{‏له ما بين أيدينا‏}‏ أي من المكان والزمان وما فيهما ‏{‏وما خلفنا‏}‏ من ذلك ‏{‏وما بين ذلك‏}‏ وهو نحن والمكان والزمان اللذان نحن بهما وما فوقه وتحته، ونحن نعلم ذلك ونعمل على حسب ما نعلم، فلا نتصرف في ملكه إلا بأمره ‏{‏وما كان‏}‏ على تقدير من التقادير ‏{‏ربك نسياً *‏}‏ أي ذا نسيان لشيء من الأشياء فيترك تفصيل أمر الروح، ويؤخر الجواب عن الوقت الذي وعدتهم فيه لخفاء شيء من ذلك عليه، ولا ينسى ما يصلحك فيحتاج إلى مذكر به، ولا ينسى أحداً منا فينزل في وقت نسيانه له بل هو دائم الاطلاع على حركتنا وسكناتنا، فنحن له في غاية المراقبة، وهو سبحانه يصرفنا بحسب الحكمة في كل وقت تقتضيه حكمته، لا يكون شيء من ذلك إلا في الوقت الذي حده له وأراده فيه، ولا يخرج شيء من الأشياء وإن دق عن مراده‏.‏ ويجوز أن يقال في التعبير بصيغة فعيل أنه لا يتمكن العبد من الغيبة عن السيد بغير إذنه إلا أن كان بحيث يمكن أن يغفل وأن تطول غفلته وتعظم لكونه مجبولاً عليها، أو أنه لما استلبث الوحي في أمر الأسئلة التي سألوا عنها من الروح وما معها خمس عشرة ليلة أو أكثر أو أقل- على اختلاف الروايات، فكان ذلك موهماً للأغبياء أنه نسيان، وكان مثل ذلك لا يفعله إلا كثير النسيان، نفى هذا الوهم بما اقتضاه من الصيغة ونفى قليل ذلك وكثيرة في السورة التي بعدها ضماً لدليل العقل بقوله

‏{‏لا يضل ربي ولا ينسى‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 52‏]‏ لما اقتضاه السياق، فأتى في كل أسلوب بما يناسبه مع الوفاء بما يجب من حق الاعتقاد، وهذه الآية مع ‏{‏وبالحق أنزلناه‏}‏ و‏{‏قل لئن اجتمعت الإنس والجن‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 88‏]‏ مثل ‏{‏قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 3‏]‏- الآيتين في سورة هود عليه السلام، على ما قدمت في بيانه غير أن ما جمع هناك فصل هنا في أول الجواب على أسئلتهم بآية ‏{‏قل لئن اجتمعت‏}‏ وأثنائه بآية ‏{‏وبالحق أنزلناه‏}‏ وآخره بهذه الآية، لتكون الآيات رابطة على هذه الأجوبة وتوابعها وضابطة لها كالشهب والحرس الشديد بالنسبة إلى السماء، فلا يبغيها متعنت من جهة من جهاتها كيداً إلا رد خاسئاً، ولا يرميها بقادح ألا كان رميه خاطئاً‏.‏

ولما وصف سبحانه وتعالى بنفوذ الأمر واتساع العلم على وجه ثبت به ما أخبر به عن الجنة، فثبت أمر البعث، أتبع ذلك ما يقرره على وجه أصرح منه وأعم فقال مبدلاً من ‏{‏ربك‏}‏‏:‏ ‏{‏رب السماوات والأرض‏}‏ اللتين نحن من جملة ما فيهما من عباده ‏{‏وما بينهما‏}‏ منا ومن غيرنا من الأحياء وغيرها ‏{‏فاعبده‏}‏ بالمراقبة الدائمة على ما ينبغي له من مثلك ‏{‏واصطبر‏}‏ أي اصبر صبراً عظيماً بغاية جهدك على كل ما ينبغي الاصطبار عليه كذلك ‏{‏لعبادته‏}‏ أي لأجلها فإنها لا تكون إلا عن مجاهدة شديدة؛ ثم علل ذلك بقوله‏:‏ ‏{‏هل تعلم له سمياً *‏}‏ أي متصفاً بوصف من أوصافه اتصافاً حقيقياً، أو مسمى باسمه، العلمَ الواقع موقع لأنه لا مماثل له حتى ولا في مجرد الاسم، وإيراده بصورة الاستفهام كالدعوى بدليلها‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏66- 71‏]‏

‏{‏وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا ‏(‏66‏)‏ أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا ‏(‏67‏)‏ فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا ‏(‏68‏)‏ ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا ‏(‏69‏)‏ ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا ‏(‏70‏)‏ وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا ‏(‏71‏)‏‏}‏

ولما تبين بذلك وبما ذكر في هاتين السورتين مما سألوا عنه ومن غيره شمولُ علمه وتمام قدرته لا سيما في إيجاد البشر تارة من التراب، وتارة من ذكر وأنثى في حكم العدم، وتارة من أنثى بلا ذكر، وثبت ذلك كله، فانكشفت الشبه، وتضاءلت موجبات المراء، وانقمعت مخيلات الفتن، عجب منها في إنكارهم البعث وهم يشاهدون ما ذكر من قدرته وعلمه، عاطفاً على التعجب في قولهم ‏{‏وقالوا ءاذا كنا‏}‏ تعجيباً أشد من ذلك فقال‏:‏ ‏{‏ويقول‏}‏ بلفظ المضارع المؤذن بالتجدد بعد هذا البيان المقتضي حتماً لاعتقاده البعث فضلاً عن إنكار مرة من المرات، ليخبر عنها بصيغة الماضي، فكيف بالمداومة على ذلك المشار إليها بصيغة المضارع؛ وعبر بالمفرد وإن كان للجنس لأن الإنكار على الواحد يستلزم الإنكار على المتعدد فقال‏:‏ ‏{‏الإنسان‏}‏ أي الذي خلقناه ولم يك شيئاً، مع ما فضلناه به من العقل، ونصبنا له من الدلائل، فشغله الإنس بنفسه عن التأمل في كمال ربه منكراً مستبعداً‏:‏ ‏{‏أءذا ما مت‏}‏ ثم دل على شدة استبعاده لذلك بقوله مخلصاً للام الابتداء إلى التوكيد سالخاً لها عما من شأنها الدلالة عليه من الحال لتجامع ما يخلص للاستقبال‏:‏ ‏{‏لسوف أخرج‏}‏ أي يخرجني مخرج ‏{‏حياً *‏}‏ أي بعد طول الرقاد، وتفتت الأجزاء والمواد، وجاء بهذه التأكيدات لأن ما بعد الموت وقت كون الحياة منكرة على زعمه، والعامل في ‏{‏إذا‏}‏ فعل من معنى ‏{‏أخرج‏}‏ لا هو، لمنع لام الابتداء لعمله فيما قبله؛ ثم قابل إنكاره الباطل بإنكار هو الحق فقال عطفاً على يقول أو على ما تقديره‏:‏ ألا يذكر ما لنا من تمام القدرة بخلق ما هو أكبر من ذلك من جميع الأكوان‏:‏ ‏{‏أو لا يذكر‏}‏ بإسكان الذال على قراءة نافع وابن عامر وعاصم إشارة إلى أنه أدنى ذكر من هذا يرشده إلى الحق، وقراءة الباقين بفتح الذال والكاف وتشديدهما يشير إلى أنه- لاستغراقه في الغفلة- يحتاج إلى تأمل شديد ‏{‏الإنسان‏}‏ أي الآنس بنفسه، المجترئ بهذا الإنكار على ربه وقوفاً مع نفسه ‏{‏أنا خلقناه‏}‏ وأشار الجار إلى سبقه بالعدم فقال‏:‏ ‏{‏من قبل‏}‏ أي من قبل جدله هذا أي بما لنا من القدرة والعظمة‏.‏

ولما كان المقام لتحقيره بكونه عدماً، أعدم من التعبير عن ذلك ما أمكن إعدامه، وهو النون، لتناسب العبارة المعتبر فقال‏:‏ ‏{‏ولم يك شيئاً *‏}‏ أصلاً، وإنا بمقتضى ذلك قادرون على إعادته فلا ينكر ذلك‏.‏

ولما كان كلام الكافر صورته صورة استفهام، وهو جحد في الحقيقة وإنكار، وكان إنكار المهدَّد لشيء يقتدر عليه المهدد سبباً لأن يحققه لما مقسماً عليه، قال تعالى مجيباً عن إنكاره مؤذناً بالغضب عليهم بالإعراض عنهم مخاطباً لنبيه صلى الله عليه وسلم تفخيماً لشأنه وتعظيماً لأمره‏:‏ ‏{‏فوربك‏}‏ المحسن إليك بالانتقام منهم‏.‏

ولما كان الإنكار للبعث يلزم منه الاحتقار، أتى بنون العظمة، استمر في هذا التحلي بهذا المظهر إلى آخر وصف هذا اليوم فقال‏:‏ ‏{‏لنحشرنهم‏}‏ بعد البعث ‏{‏والشياطين‏}‏ الذين يضلونهم بجعل كل واحد منهم مع قرينه الذي أضله، في سلسلة ‏{‏ثم لنحضرنهم‏}‏ بعد طول الوقوف ‏{‏حول جهنم‏}‏ التي هم بها مكذبون، يحيطون بها لضيق رأسها وبعد قعرها، حال كونهم ‏{‏جثياً *‏}‏ على الركب من هول المطلع وشدة الذل، مستوقرين تهيؤوا للمبادرة إلى امتثال الأوامر ‏{‏ثم لننزعن‏}‏ أي لنأخذن أخذاً بشدة وعنف ‏{‏من كل شيعة‏}‏ أي فرقة مرتبطة بمذهب واحد‏.‏

ولما كان التقدير‏:‏ لننزعن أغناهم، وهم الذين إذا نظرت إلى كل واحد منهم بخصوصه حكمت بأنه أغنى الناس، علم أنهم بحيث يحتاج إلى السؤال عنهم لإشكال أمرهم فقال‏:‏ ‏{‏أيهم أشد على الرحمن‏}‏ الذي غمرهم بالإحسان ‏{‏عتياً *‏}‏ أي تكبراً متجاوزاً للحد، انتزاعاً يعلم به أهل الموقف أنه أقل من القليل، وأوهى أمراً من القتيل، وأن له سبحانه- مع صفة الرحمة التي غمرهم إحسانها وبرها- صفات أخرى من الجلال والكبرياء والجبروت والانتقام‏.‏

ولما تقدم ما هو في صورة الاستفهام، أتبعه ما يزيل ما قد يقع بسببه من بعض الأوهام، فقال‏:‏ ‏{‏ثم‏}‏ وعزتنا‏!‏ ‏{‏لنحن‏}‏ لشمول علمنا وكمال قدرتنا وعظمتنا ‏{‏أعلم‏}‏ من كل عالم ‏{‏بالذين هم‏}‏ لظواهرهم وبواطنهم ‏{‏أولى بها‏}‏ أي جهنم ‏{‏صلياً *‏}‏ وبالذين هم أولى بكل طبقة من دركاتها من جميع الخلق من المنتزعين وغيرهم، فلا يظن بنا أنا نضع أحداً في غير دركته أو غير طبقته من دركته؛ وعطف هذه الجمل بأداة البعد مقرونة بنون العظمة لبعد مراتبها وتصاعدها في ذرى العليا وترقيها، تهويلاً للمقام وتعظيماً للأمر لاستبعادهم له، على أنه يمكن أن تكون الحروف الثلاثة للترتيب الزماني، وهو في الأولين واضح، وأما في الثالث فلأن العلم كناية عن الإصلاء، لأن من علم ذنب عدوه- وهو قادر- عذبه، فكأنه قيل‏:‏ لنصلين كلاًّ منهم النار على حسب استحقاقه لأنا أعلم بأولويته لذلك‏.‏

ولما كانوا بهذا الإعلام، المؤكد بالإقسام، من ذي الجلال والإكرام، جديرين بإصغاء الأفهام، إلى ما يوجه إليها من الكلام، التفت إلى مقام الخطاب، إفهاماً للعموم فقال‏:‏ ‏{‏وإن‏}‏ أي وما ‏{‏منكم‏}‏ أيها الناس أحد ‏{‏إلا واردها‏}‏ أي داخل جهنم؛ ثم استأنف قوله‏:‏ ‏{‏كان‏}‏ هذا الورود؛ ولما كان المعنى أنه لا بد من من إيقاعه، أكده غاية التأكيد فأتى بأداة الوجوب فقال‏:‏ ‏{‏على ربك‏}‏ الموجد لك المحسن إليك بإنجاء أمتك لأجلك ‏{‏حتماً‏}‏ أي واجباً مقطوعاً به ‏{‏مقضياً *‏}‏ لا بد من إيقاعه؛ قال الرازي في اللوامع‏:‏ ما من مؤمن- إلا الأنبياء- إلا وقد تلطخ بخلق سوء ولا ينال السعادة الحقيقية إلا بعد تنقيته، وتخليصه من ذلك إنما يكون بالنار‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏72- 76‏]‏

‏{‏ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا ‏(‏72‏)‏ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا ‏(‏73‏)‏ وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا ‏(‏74‏)‏ قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا ‏(‏75‏)‏ وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا ‏(‏76‏)‏‏}‏

ولما كان الخلاص منها بعد ذلك مستبعداً، قال مشيراً إليه بأداة البعد‏:‏ ‏{‏ثم ننجي‏}‏ أي تنجية عظيمة على قراءة الجماعة، ومطلق إنجاء على قراءة الكسائي، وكأن ذلك باختلاف أحوال الناس مع أن المطلق لا ينافي المقيد ‏{‏الذين اتقوا‏}‏ أي كانوا متقين منها بأن تكون عليهم حال الورود برداً وسلاماً ‏{‏ونذر الظالمين‏}‏ أي نترك على أخبث الأحوال الذين وضعوا الأشياء في غير مواضعها واستمروا على ذلك فكانوا في أفعالهم خابطين كالأعمى ‏{‏فيها جثياً *‏}‏ كما كانوا حولها لا يهتدون إلى وجه يخلصون به منها‏.‏

ولما كان هذا جديراً بالقبول لقيام الأدلة على كمال قدرة قائله، وتنزهه عن إخلاف القول، لبراءته من صفات النقص، قال معجباً من منكره عاطفاً على قوله ‏{‏ويقول الإنسان‏}‏‏:‏ ‏{‏وإذا تتلى عليهم‏}‏ أي الناس، من أيّ تال كان ‏{‏ءاياتنا‏}‏ حال كونها ‏{‏بينات‏}‏ لا مرية فيها، بأن تكون محكمات، أو متشابهات قد تبعها البيان بالمحكمات، أو ببيان النبي صلى الله عليه وسلم فهي حال مؤكدة أو كاشفة ‏{‏قال الذين كفروا‏}‏ بآيات ربهم البينة، جهلاً منهم ونظراً إلى ظاهر الحياة الدنيا الذي هو مبلغهم من العلم ‏{‏للذين ءامنوا‏}‏ أي لأجلهم أو مواجهة لهم، إعراضاً عن الاستدلال بالآيات، ووجوه دلالتها البينات، بالإقبال على هذه الشبهة الواهية- وهي المفاخرة بالمكاثرة في الدنيا- من قولهم‏:‏ ‏{‏أي الفريقين‏}‏ نحن- بما لنا من الاتساع، أم أنتم- بما لكم من خشونة العيش ورثاثة الحال ‏{‏خير مقاماً‏}‏ أي موضع قيام أو إقامة- على قراءة ابن كثير بضم الميم والجماعة بفتحها‏:‏ ‏{‏وأحسن ندياً *‏}‏ مجمعاً ومتحدثاً باعتبار ما في كل من الرجال، وما لهم من الزي والأموال، ويجعلون ذلك الامتحان بالإنغام والإحسان دليلاً على رضى الرحمن، مع التكذيب والكفران، ويغفلون عن أن في ذلك- مع التكذيب بالبعث- تكذيباً مما يشاهدونه منا من القدرة على العذاب بإحلال النقم، وسلب النعم، ولو شئنا لأهلكناهم وسلبنا جميع ما يفتخرون به ‏{‏وكم أهلكنا‏}‏ بما لنا من العظمة‏.‏

ولما كان المراد استغراق الزمان، لم يأت بالجار إعلاماً بأن المتقدمين كلهم كانوا أرغد عيشاً وأمكن حالاً فقال‏:‏ ‏{‏قبلهم من قرن‏}‏ أي شاهدوا ديارهم، ورأوا آثارهم؛ ثم وصف كم بقوله‏:‏ ‏{‏هم‏}‏ أي أهل تلك القرون ‏{‏أحسن‏}‏ من هؤلاء ‏{‏أثاثاً‏}‏ أي أمتعة ‏{‏ورئياً *‏}‏ أي منظراً، فكأنه قيل‏:‏ فما يقال لهم‏؟‏ فقال‏:‏ ‏{‏قل‏}‏ أي لهم رداً عليهم وقطعاً لمعاذيرهم وهتكاً لشبههم‏:‏ هذا الذي افتخرتم به لا يدل على حسن الحال في الآخرة، بل على عكس ذلك، فقد جرت عادته سبحانه أنه ‏{‏من كان في الضلالة‏}‏ مثلكم كوناً راسخاً بسط له في الدنيا وطيب عيشه في ظاهر الحال فيها، ونعم بأنواع الملاذ، وعبر عن أن ذلك لا يكاد يتخلف عن غير من حكم بإلزامه المسكنة من اليهود بلام الأمر، إيذاناً بوجوده وجود المأمور به الممتثل في قوله‏:‏ ‏{‏فليمدد‏}‏ وأشار إلى التحلي لهم بصفة الإحسان بقوله‏:‏ ‏{‏له الرحمن‏}‏ أي العام الامتنان ‏{‏مداً *‏}‏ في العاجلة بالبسط في الآثار، والسعة في الديار، والطول في الأعمار، وإنفاقها فيما يستلذ من الأوزار الكبار، فيزيده العزيز الجبار بذلك ضلالة، فيا له من خسار، وتباب وتبار، لمن له استبصار، ولا نزال نمد هل استدراجاً ‏{‏حتى‏}‏ وحقق أخذهم بأداة التحقيق فقال‏:‏ ‏{‏إذا رأوا‏}‏ أي كل من كفر بالله بأعينهم وإن ادعوا أنهم يتعاضدون ويتناصرون، ولذلك جمع باعتبار المعنى ‏{‏ما يوعدون‏}‏ من قبل الله ‏{‏إما العذاب‏}‏ في الدنيا بأيدي المؤمنين أو غيرهم، أو في البرزخ ‏{‏وإما الساعة‏}‏ التي هم بها مكذبون، وعن الاستعداد لها معرضون، ولا شيء يشبه أهوالها، وخزيها ونكالها‏.‏

ولما كان الجواب‏:‏ علموا أن مكانهم شر الأماكن، وأن جندهم أضعف الجنود، عبر عنه بقوله تهديداً‏:‏ ‏{‏فسيعلمون‏}‏ إذا رأوا ذلك ‏{‏من هو شر مكاناً‏}‏ أي من جهة المكان الذي قوبل به المقام ‏{‏وأضعف جنداً *‏}‏ هم أو المؤمنون، أي أضعف من جهة الجند الذي أشير به إلى النديّ، لأن القصد من فيه، وكأنه عبر بالجند لأن قصدهم المغالبة وما كل من في النديّ يكون مقاتلاً‏.‏

ولما كان هذا لكونه استدراجاً زيادة في الضلال، قابله بقوله، عطفاً على ما تقدم تقديره تسبيباً عن قوله ‏{‏فليمدد‏}‏ وهو‏:‏ فيزيده ضلالاً، أو على موضع ‏{‏فليمدد‏}‏‏:‏ ‏{‏ويزيد الله‏}‏ وعبر بالاسم العلم إشارة إلى التجلي لهم بجميع الصفات العلى ليعرفوه حق معرفته ‏{‏الذين اهتدوا هدى‏}‏ عوض ما زوى عنهم ومنعهم من الدنيا لكرامتهم عنده مما بسطه للضلال لهوانه عليه؛ فالآية من الاحتباك‏:‏ ذكر السعة بالمد للضال أولاً دليلاً على حذف الضيق بالمنع للمهتدي ثانياً، وزيادة الهداية ثانياً دليلاً على حذف زيادة الضلال أولاً، وأشار إلى أنه مثل ما خذل أولئك بالنوال، وفق هؤلاء لمحاسن الأعمال، بإقلال الأموال فقال‏:‏ ‏{‏والباقيات‏}‏ ثم وصفها احترازاً من أفعال أهل الضلال بقوله‏:‏ ‏{‏الصالحات‏}‏ أي من الطاعات والمعارف التي شرحت لها الصدور، فأنارت بها القلوب، وسلمت من إحباط الذنوب، فأوصلت إلى علام الغيوب ‏{‏خير عند ربك‏}‏ مما متع به الكفرة ومدوا به- على تقدير التنزل إلى تسميته خيراً، وإضافة الرب إليه صلى الله عليه وسلم إشارة إلى أنه يربيها تربية تبلغ أقصى ما يرضيه في كل تابعيه؛ ثم بين جهة خيرية هذا بقوله‏:‏ ‏{‏ثواباً‏}‏ أي من جهة الثواب ‏{‏وخير مرداً *‏}‏ أي من جهة العاقبة يوم الحسرة وهو كالذي قبله، أو على قولهم‏:‏ الصيف أحر من الشتاء بمعنى أنه في حره أبلغ منه في برده‏.‏ فالكفرة يردون إلى خسارة وفناء، والمؤمنون إلى ربح وبقاء‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏77- 84‏]‏

‏{‏أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآَيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا ‏(‏77‏)‏ أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا ‏(‏78‏)‏ كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا ‏(‏79‏)‏ وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا ‏(‏80‏)‏ وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آَلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا ‏(‏81‏)‏ كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا ‏(‏82‏)‏ أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا ‏(‏83‏)‏ فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا ‏(‏84‏)‏‏}‏

ولما تضمن هذا من التهديد بذلك اليوم ما يقطع القلوب، فيوجب الإقبال على ما ينجي منه، عجب من حال من كفر به، موبخاً له، منكراً عليه، عاطفاً على ما أرشد إليه السياق فقال معبراً عن طلب الخير بالرؤية التي هي الطريق إلى الإحاطة بالأشياء علماً وخبرة، وإلى صحة الخبر عنها‏:‏ ‏{‏أفرءيت‏}‏ أي أرأيت الذي يعرض عن هذا اليوم فرأيت ‏{‏الذي‏}‏ زاد على ذلك بأن ‏{‏كفر بآياتنا‏}‏ الدالات على عظمتنا بالدلالات البينات ‏{‏وقال‏}‏ جراءة منه وجهلاً؛ أو يقال‏:‏ إنه لما هول أمر ذلك اليوم‏.‏ وهتك أستار مقالاتهم، وبين وهيها، تسبب عن ذلك التعجيبُ ممن يقول‏:‏ ‏{‏لأوتين‏}‏ أي والله في الساعة على تقدير قيامها ممن له الإيتاء هنالك ‏{‏مالاً وولداً *‏}‏ أي عظيمين، فلم يكفه في جهله تعجيز القادر حتى ضم إليه إقدار العاجز‏.‏

ولما كان ما ادعاه لا علم له به إلا بأحد أمرين لا علم له بواحد منهما، أنكر عليه قوله ذلك بقوله‏:‏ ‏{‏أطلع الغيب‏}‏ الذي هو غائب عن كل مخلوق، فهو في بعده عن الخلق كالعالي الذي لا يمكن أحداً منهم الاطلاع عليه، وتفرد به الواحد القهار ‏{‏أم اتخذ‏}‏ أي بغاية جهده ‏{‏عند الرحمن‏}‏ العام الرحمة بالإنعام على الطائع والانتقام من العاصي ثواباً للطائع ‏{‏عهداً *‏}‏ عاهده عليه بأنه يؤتيه ما ذكر بطاعة فعلها له على وجهها ليقف سبحانه فيه عند قوله‏.‏

ولما كان كل من الأمرين‏:‏ إطلاع الغيب واتخاذ العهد، وكذا ما ادعاه لنفسه، وما يلزم عن اتخاذ العهد من القرب، منتفياً قال‏:‏ ‏{‏كلاًّ‏}‏ أي لم يقع شيء من هذين الأمرين، ولا يكون ما ادعاه فليرتفع عنه صاغراً‏.‏

ولما كان النفي هنا عن الواحد مفهماً للنفي عما فوقه اكتفى به، ولما رد ذلك استأنف الجواب لسؤال من كأنه قال‏:‏ فماذا يكون له‏؟‏ بقوله مثبتاً السين للتوكيد في هذا التهديد‏:‏ ‏{‏سنكتب ما يقول‏}‏ أي نحفظه عليه حفظ من يكتبه لنوبخه به ونعذبه عليه بعد الموت فيظهر له بعد طول الزمان أن ما كان فيه ضلال يؤدي إلى الهلاك لا محالة، ويجوز أن تكون السين على بابها من المهلة، وكذا الكتابة، والإعلام بذلك للحث على التوبة قبل الكتابة، وذلك من عموم الرحمة ‏{‏ونمد له من العذاب مداً *‏}‏ باستدراجه بأسبابه من كثرة النعم من الأموال والأولاد المحببة له في الدنيا، المعذبة له فيها، بالكدح في جمعها والمخاصمة عليها الموجبة له التمادي في الكفر الموجب لعذاب الآخرة، وإتيان بعضه في إثر بعض ‏{‏إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 85‏]‏ ‏{‏ونرثه‏}‏ بموته عن جميع ذلك؛ ثم أبدل من ضميره قوله‏:‏ ‏{‏ما يقول‏}‏ أي من المال والولد فنحول بينه وبينهم بعد البعث كما فعلنا بالموت كحيلولة الوارث بين الموروث وبين الموروث عنه ‏{‏ويأتينا‏}‏ في القيامة ‏{‏فرداً *‏}‏ مسكيناً منعزلاً عن كل شيء لا قدرة له على مال ولا ولد، قلا عز له، ولا قوة بشيء منهما؛ روى البخاري في التفسير عن خباب رضي الله عنه قال‏:‏ كنت قيناً بمكة فعملت للعاص بن وائل السهمي سيفاً، فجئت أتقاضاه فقال‏:‏ لا أعطيك حتى تكفر بمحمد، قلت‏:‏ لا أكفر بمحمد حتى يميتك الله ثم يحييك، وفي رواية‏:‏ حتى تموت ثم تبعث، قال‏:‏ وإني لمبعوث من بعد الموت‏؟‏ قلت‏:‏ نعم‏!‏ قال‏:‏ فذرني حتى أموت ثم أبعث فسوف أوتى مالاً وولداً فأقضيك، فنزلت هذه الآية ‏{‏أفرأيت الذي- إلى قوله‏:‏ فرداً‏}‏‏.‏

ولما أخبر تعالى بالبعث، وذكر أن هذا الكافر يأتيه على صفة الذل، أتبعه حال المشركين مع معبوداتهم، فقال معجباً منهم عاطفاً على قوله ويقول الإنسان‏:‏ ‏{‏واتخذوا‏}‏ أي الكفار، وجمع لأن نفي العز عن الواحد قد لا يقتضي نفيه عما زاد ‏{‏من دون الله‏}‏ وقد تبين لهم أنه الملك الأعلى الذي لا كفوء له ‏{‏ءالهة ليكونوا لهم‏}‏ أي الكافرين ‏{‏عزاً *‏}‏ لينقذوهم من العذاب‏.‏

ولما بين أنه لا يعزه مال ولا ولد، وكان نفع الأوثان دون ذلك بلا شك، نفاه بقوله‏:‏ ‏{‏كلاًّ‏}‏ بأداة الردع، لأن ذلك طلب للعز من معدن الذل من العبيد الذين من اعتز لهم ذل، فإنهم مجبولون على الحاجة، ومن طلب العز للدنيا طلبه من العبيد لا محالة، فاضطر قطعاً- لبنائهم على النقص- إلى ترك الحق واتباع الباطل، فكانت عاقبة أمره الذل وإن طال المدى، فإن الله تعالى ربما أمهل المخذول إلى أن ينتهي في خذلانه إلى أن يستحق لباس الذل؛ ثم بين سبحانه ذلك بما يكون منهم يوم البعث فقال‏:‏ ‏{‏سيكفرون‏}‏ أي الآلهة بوعد لا خلف فيه وإن طال الزمان ‏{‏بعبادتهم‏}‏ أي المشركين، فيقولون لهم ‏{‏ما كنتم إياناً تعبدون‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 28‏]‏ ‏{‏إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 166‏]‏ ‏{‏ويكونون عليهم‏}‏ أي الكفار؛ ووحد إشارة إلى اتفاق الكلمة بحيث إنهم لفرط تضامنهم كشيء واحد فقال‏:‏ ‏{‏ضداً *‏}‏ أي أعداء فيكسبونهم الذل، وكذا يفعل الكفار مع شركائهم ويقولون ‏{‏والله ربنا ما كنا مشركين‏}‏ فيقع بينهم العداوة كما قال تعالى ‏{‏ثم يوم القيامة يكفر بعضهم ببعض ويلعن بعضكم بعضاً‏}‏ ‏[‏العنكبوت‏:‏ 25‏]‏‏.‏

ولما كان من المستبعد عندهم جواز رجوعهم عنهم فضلاً عن كفرهم بهم، دل على وقوعه بما يشاهد منهم من الأفعال المنافية لرزانة الحلم الناشئة عن وقار العلم، فقال‏:‏ ‏{‏ألم تر أنا‏}‏ بما لنا من العظمة ‏{‏أرسلنا الشياطين‏}‏ الذين خلقناهم من النار، إرسالاً مستعلياً بالإبعاد والإحراق ‏{‏على الكافرين‏}‏ أي العريقين في الكفر ‏{‏تؤزهم أزاً *‏}‏ أي تحركهم تحريكاً شديداً، وتزعجهم في المعاصي والدنايا التي لا يشكون في قباحتها وعظيم شناعتها وهم أشد الناس عيباً لفاعليها وذماً لمرتكبيها إرعاجاً عظيماً بحيث يكونون في تقلبهم ذلك مثل الماء الذي يغلي في القدر، ومثل الشرر المتطاير الذي هو أشد شيء منافاة لطبع الطين وملاءمة لطبع النار، فلما ثبت بذلك المدعى، تسبب عنه النهي عما اتصفوا به من خفة السفه وطيش الجهل فقال‏:‏ ‏{‏فلا تعجل عليهم‏}‏ بشيء مما تريد به الراحة منهم‏.‏

ولما كانت مراقبة ناصر الإنسان لعدوه في الحركات والسكنات أكبر شاف للولي ومفرح، وأعظم غائط للعدو ومزعج ومخيف ومقلق، علل ذلك بقوله دالاًّ على أن زمنهم قصير جداً بذكر العد‏:‏ ‏{‏إنما نعد لهم‏}‏ بإمهالنا لهم وإدرارنا النعم عليهم ‏{‏عداً *‏}‏ لأنفاسهم فما فوقها لا نغفل عنهم بوجه، فإذا جاء أجلهم الذي ضربناه لهم، محونا آثارهم، وأخلينا منهم ديارهم، لا يمكنهم أن يفوتونا، فاصبر فما أردنا بإملائنا لهم إلا إشقاءهم وإرداءهم لا تنعيمهم وإعلاءهم، فهو من قصر الموصوف على صفته إفراداً‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏85- 93‏]‏

‏{‏يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا ‏(‏85‏)‏ وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا ‏(‏86‏)‏ لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا ‏(‏87‏)‏ وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا ‏(‏88‏)‏ لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا ‏(‏89‏)‏ تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا ‏(‏90‏)‏ أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا ‏(‏91‏)‏ وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا ‏(‏92‏)‏ إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا ‏(‏93‏)‏‏}‏

ولما بين مآل حال الكافرين في آلهتهم ودليله، أتبعه بوقته فقال‏:‏ ‏{‏يوم‏}‏ أي يكفرون بعبادتهم يوم ‏{‏نحشر المتقين‏}‏ أي العريقين في هذا الوصف؛ ولما تقدمت سورة النعم العامة النحل، وأتبعت سورة النعم الخاصة بالمؤمنين وبعض العامة، مثل ‏{‏ولقد كرمنا بني آدم‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 70‏]‏، ثم سورتي الخاصة بالصالحين الكهف وهذه، قال‏:‏ ‏{‏إلى الرحمن‏}‏ فيدخلهم دار الرضوان، فذكر الاسم الدال على عموم الرحمة، وكرره في هذه السورة تكريراً دل على ما فهمته، وربما أيد ذلك افتتاح النحل بنعمة البيان على هذا الإنسان التي عبر عنها بالخصيم، وختام هذه بالقوم اللد من حيث رد مقطع هذه التي كانت بالنظر إلى النعم شيئاً واحداً على مطلعها ‏{‏وفداً *‏}‏ أي القادمين في إسراع ورفعة وعلى، كما تقدم الوفود على الملوك، فيكونون في الضيافة والكرامة‏.‏

ولما ذكر ما يدل على كرامة أوليائه، أتبعه ما يدل على إهانة أعدائه فقال‏:‏ ‏{‏ونسوق المجرمين‏}‏ أي بالكفر وغيره من المعصية، كالبهائم سوقاً عنيفاً مزعجاً حثيثاً ‏{‏إلى جهنم‏}‏ بسطوة المنتقم الجبار ‏{‏ورداً *‏}‏ أي عطاشاً ‏{‏لا يملكون الشفاعة‏}‏ أي لا يملك أحد من القسمين أن يَشفَع ولا أن يشفَّع فيه ‏{‏إلا من اتخذ‏}‏ أي كلف نفسه واجتهد في أن أخذ ‏{‏عند الرحمن عهداً *‏}‏ بما وفقه له من الإيمان والطاعة التي وعده عليها أن يشفع أو أن يشفع فيه؛ فالآية من الاحتباك‏:‏ ذكر الرحمن أولاً دليلاً على المنتقم ثانياً، وجهنم ثانياً دليلاً على حذف الجنة أولاً‏.‏

ولما أبطل مطلق الشفعاء، وكان الولد أقرب شفيع، وكانوا قد ادعوا له ولداً، أبطل دعواهم فيه لينتفي كل شفيع خاص وعام، فينتفي كل عز راموه بشفاعة آلهتهم وغيرها‏.‏ فقال عاطفاً على قوله‏:‏ ‏{‏واتخذوا من دون الله آلهة‏}‏ موجباً منهم‏:‏ ‏{‏وقالوا‏}‏ أي الكفرة ‏{‏اتخذ الرحمن‏}‏ أي الذي لا منعم غيره، فكل أحد محتاج إليه وهو غني عن كل أحد ‏{‏ولداً *‏}‏ قالت اليهود‏:‏ عزير، والنصارى‏:‏ المسيح، والمشركون‏:‏ الملائكة، مع قيام الأدلة على استحالته عليه سبحانه؛ ثم استأنف الالتفات إلى خطابهم بأشد الإنكار، إيماء إلى تناهي الغضب فقال‏:‏ ‏{‏لقد‏}‏ أي وعزتي‏!‏ لقد ‏{‏جئتم شيئاً إدّاً *‏}‏ أي عظيماً ثقيلاً منكراً؛ ثم بين ثقله بقوله‏:‏ ‏{‏تكاد السماوات‏}‏ على إحكامها، مع بعدها من أصحاب هذا القول ‏{‏يتفطرن‏}‏ أي يأخذن في الانشقاق ‏{‏منه‏}‏ أي من هذا الشيء الإدّ ‏{‏وتنشق الأرض‏}‏ على تحتها شقاً نافذاً واسعاً ‏{‏وتخر‏}‏ أي تسقط سريعاً ‏{‏الجبال‏}‏ على صلابتها ‏{‏هداً *‏}‏ كما ينفسخ السقف تحت ما لا يحتمله من الجسم الثقيل، لأجل ‏{‏أن ادعوا‏}‏ أي سموا ‏{‏للرحمن‏}‏ الذي كل ما سواه نعمة منه ‏{‏ولداً *‏}‏ هذا المفعول الثاني، وحذف الأول لإرادة العموم ‏{‏وما ينبغي‏}‏ أي ما يصح ولا يتصور ‏{‏للرحمن أن يتخذ ولداً *‏}‏ لأنه غير محتاج إلى الولد بوجه، ومع ذلك فهو محال، لأن الولد لا يكون إلا مجانساً للوالد، ولا شيء من النعم بمجانس للمنعم المطلق الموجد لكل ما سواه، فمن دعا له ولداً قد جعله كبعض خلقه، وأخرجه عن استحقاق هذا الاسم، ثم أقام الدليل على غناه عن ذلك واستحالته عليه، تحقيقاً لوحدانيته، وبياناً لرحمانيته، فهدم بذلك الكفر بمطلق الشريك بعد أن هدم الكفر بخصوص الولد فقال‏:‏ ‏{‏إن‏}‏ أي ما ‏{‏كل من‏}‏ أي شيء من العقلاء، فهو نكرة موصوفة لوقوعها بعد كل وقوعها بعد رب ‏{‏في السماوات والأرض‏}‏ الذين ادعوا أنهم ولد وغيرهم ‏{‏إلا‏}‏‏.‏

ولما كان من العبد من يعصي على سيده، عبر بالإتيان فقال‏:‏ ‏{‏ءاتي الرحمن‏}‏ العام بالإحسان، أي منقاد له طوعاً أو كرهاً في كل حالة وكل وقت ‏{‏عبداً *‏}‏ مسخراً مقهوراً خائفاً راجياً، فكيف يكون العبد ابناً أو شريكاً‏؟‏ فدلت الآية على التنافي بين العبودية والولدية، فهي من الدليل على عتق الولد والوالد إذا اشتريا‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏94- 98‏]‏

‏{‏لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا ‏(‏94‏)‏ وَكُلُّهُمْ آَتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا ‏(‏95‏)‏ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا ‏(‏96‏)‏ فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا ‏(‏97‏)‏ وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا ‏(‏98‏)‏‏}‏

ولما كان من المستبعد معرفة الخلائق كلهم، أتبعه بقوله‏:‏ ‏{‏لقد‏}‏ أي والله لقد ‏{‏أحصاهم‏}‏ كلهم إحاطة بهم ‏{‏وعدهم‏}‏ ولما كان ذلك لا يكاد يصدق، أكده بالمصدر فقال‏:‏ ‏{‏عداً *‏}‏ قبل خلقهم من جميع جهات العبد ولوازمها، فلم يوجد ولم يولد، ولم يعدم أو يصب أحد منهم إلا في حينه الذي عده له، وقد يكون الإحصاء قبل الوجود في عالم الغيب والعد بعد الوجود ‏{‏وكلهم‏}‏ أي وكل واحد منهم ‏{‏ءاتيه يوم القيامة‏}‏ بعد بعثه من الموت ‏{‏فرداً *‏}‏ على صفة الذل، موروثاً ماله وولده الذي كنا أعطيناه في الدنيا قوة له وعزاً، لأنه لا موجود غيره يقدر على حراسة نفسه من الفناء، فهو لا شك في قبضته، فكيف يتصور في بال أو يقع في خيال أن يكون شيء من ذلك له ولداً أو معه شريكاً‏.‏

ولما عم بهذا الحكم الطائع والعاصي، وكان ذلك محزناً لأهل الطاعة باستشعار الذل في الدارين، تحركت النفس إلى معرفة ما أفادتهم الطاعة، واستأنف الجواب لذلك مبشراً لهم بقوله‏:‏ ‏{‏إن الذين آمنوا وعملوا‏}‏ تصديقاً لادعائهم الإيمان، الأعمال ‏{‏الصالحات سيجعل‏}‏ تحقيقاً عما قليل عند بيعة العقبة ‏{‏لهم الرحمن‏}‏ الذي خصهم بالرضا بعد أن عمهم بالنعمة، جزاء على انقيادهم له، لأنه كان إما باختيارهم وإما برضاهم ‏{‏وداً *‏}‏ أي حباً عظيماً في قلوب العباد، دالاً على ما لهم عندهم من الود؛ قال الأصبهاني‏:‏ من غير تودد منهم ولا تعرض للأسباب التي تكسب بها الناس مودات القلوب من قرابة أو صداقة أو اصطناع غيره أو غير ذلك، وإنما هو اختراع ابتدأ اختصاصاً منه لأوليائه بكرامة خاصة كما قذف في قلوب أعدائهم الرعب والهيبة إعظاماً لهم وإجلالاً لمكانهم- انتهى‏.‏ والمراد- والله أعلم- أنه لا يجعل سبحانه في قلب أحد من عباده الصالحين عليهم إحنة، لأن الود- كما قال الإمام أبو الحسن الحرالي‏:‏ خلو عن إرادة المكروه، وسيأتي إن شاء الله تعالى في سورة الروم ما يزيد ذلك وضوحاً؛ روى الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «إن الله إذا أحب عبداً دعا جبرئيل فقال‏:‏ يا جبرئيل‏!‏ إني أحب فلاناً فأحبه، فيحبه جبرئيل ثم ينادي في أهل السماء‏:‏ إن الله يحب فلاناً فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض، وإن الله إذا أبغض عبداً دعا جبرئيل فقال‏:‏ يا جبرئيل‏!‏ إني أبغض فلاناً فأبغضه، فيبغضه جبرئيل ثم ينادي في أهل السماء‏:‏ إن الله يبغض فلاناً فأبغضوه، فيبغضه أهل السماء ثم يوضع له البغضاء في الأرض»‏.‏

ولما كان إنزال هذا القول الثقيل ثم تيسيره حفظاً وعملاً سبباً لما جعل لأهل الطاعة في الدنيا من الود بما لهم من التحلي والتزين بالصالحات، والتخلي والتصون من السيئات، الدال على ما لهم عند مولاهم من عظيم العز والقرب، وكان التقدير‏:‏ والذين كفروا ليكسبنهم الجبار بغضاً وذلاًّ، فأخبر كلاًّ من الفريقين بما له بشارة ونذارة، قال مسبباً عن إفصاح ذلك وإفهامه‏:‏ ‏{‏فإنما يسرناه‏}‏ أي هذا القرآن، الذي عجز عن معارضته الإنس والجان، والكتاب القيم والوحي الذي لا مبدل له بسبب إنزالنا إياه ‏{‏بلسانك‏}‏ هذا العربي المبين، العذب الرصين ‏{‏لتبشر به المتقين‏}‏ وهم الذين يجعلون بينهم وبين ما يسخط الله وقاية، فلا يبطلون حقاً ولا يحقون باطلاً، ومتى حصلت لهم هفوة بادروا الرجوع عنها بالمتاب، بما لهم عندنا من العز الذي هو ثمرة العز المدلول عليه بما لهم منه في الدنيا، لا لتحزنهم بأن ينزل فيه ما يوهم تسويتهم بأهل المعصية في كلتا الدارين ‏{‏وتنذر به قوماً لدّاً *‏}‏ أشد في الخصومة، يريدون العز بذلك، لما لهم عندنا من الذل والهوان الناشئ عن المقت المسبب عن مساوئ الأعمال، وأنا نهلكهم إن لم يرجعوا عن لددهم، والألد هو الذي يتمادى في غيه ولا يرجع لدليل، ويركب في عناد الحق ما يقدر عليه من الشر، ولا يكون هذا إلا ممن يحتقر من يخاصمه ويريد أن يجعل الحق باطلاً، تكبراً عن قبوله، فينطبق عليه ما رواه مسلم في الإيمان عن صحيحه، وأبو داود في اللباس من سننه، والترمذي في البر من جامعه، وابن ماجه في السنة من سننه عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏

«لا يدخل الجنة أحد في قلبه مثقال حبة من كبر، فقال رجل‏:‏ إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً ونعله حسنة، فقال‏:‏ إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط-» وفي رواية‏:‏ «وغمص- الناس» وكلاهما بمعنى الاحتقار، ومن كان هذا سبيله مرن على ذلك ومرد عليه، فكان جديراً بأن يركبه الله أبطل الباطل‏:‏ الكفر عند الموت، فتحرم عليه الجنة، فإن من يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه ‏{‏سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 49‏]‏ فيا ذل من تكبر على الحق‏!‏ ويا عز من تشرف بالذل للحق والعز على الباطل‏!‏ ولعمري لقد أجرى الله عادته- ولن تجد لسنة الله تحويلاً أن من تعود الجراءة بالباطل كان ذليلاً في الحق، وإليه يشير قوله تعالى في وصف أحبابه ‏{‏أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 54‏]‏‏.‏

ولما كان التقدير بعدما أرشد إليه السياق من مفعول ‏{‏ينذر‏}‏‏:‏ فإنا قادرون على إهلاكهم وجميع ما نريد منهم، عطف عليه قوله‏:‏ ‏{‏وكم أهلكنا‏}‏ بما لنا من العظمة، ولما كان المراد التعميم، أثبت الظرف عرياً عن الجار، وأكد الخبر بإثبات من بعده فقال‏:‏ ‏{‏قبلهم من قرن‏}‏ كانوا أشد منهم شدة، وأكثر عدة، وأوثق عدة، فلم يبق إلا سماع أخبارهم، ومشاهدة آثارهم؛ ثم قال تصويراً لحالهم، وتقريراً لمضمون ما مضى من مآلهم‏:‏ ‏{‏هل تحس منهم من أحد‏}‏ ببصر أو لمس ‏{‏أو تسمع لهم ركزاً *‏}‏ أي صوتاً خفياً فضلاً عن أن يكون جلياً، فقد ختمت السورة بما بدئت به من الرحمة لأوليائه، والود لأصفيائه، والنعمة للذين خلفوا بعدهم من أعدائه، بعد الرحمة للفريقين بهذا الكتاب بشارة ونذارة فحلت الرحمة على أوليائه، وزلت عن أعدائه والله الموفق‏.‏

سورة طه

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 6‏]‏

‏{‏طه ‏(‏1‏)‏ مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى ‏(‏2‏)‏ إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى ‏(‏3‏)‏ تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَا ‏(‏4‏)‏ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ‏(‏5‏)‏ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى ‏(‏6‏)‏‏}‏

‏{‏طه*‏}‏ أي تخلص بالغ من كل ما يخشى وظهر عظيم وطيب منتشر في كل قطر إلى نهاية الوطن الذي هو التاسع، ممن له الإحاطة التامة بكل غيب، وإليه يرجع الأمر كله، كما اجتمعت أسماؤه كلها في غيب هو الذي جعل العزة للمهتدين والهدى للمتقين‏.‏

هذه السورة والتي قبلها من أقدم السور المكية، قال هشام في تهذيب السيرة‏:‏ قال ابن اسحاق‏:‏ حدثني محمد بن مسلم الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي عن أم سلمة بنت أم أمية بن المغيرة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ قالت‏:‏ لما نزلنا بأرض الحبشة جاورنا بها خير جار النجاشي، أمنا على ديننا وعبدنا الله تبارك وتعالى لا نؤذى ولا نسمع شيئاً نكرهه، فلما بلغ ذلك قريشاً ائتمروا بينهم‏.‏ فذكر إرسالهم إليه بهدايا ليردهم إليه، وأن بطارقته كلموه في ذلك، وأنه أبى حتى يسمع كلامهم، وأنه طلبهم فأجمع أمرهم على أن يقولوا الحق كائناً فيه ما كان، فدخلوا وقد دعا النجاشي أساقفته فنشروا مصاحفهم حوله فقال لهم‏:‏ ما هذا الدين الذي فارقتم به قومكم ولم تدخلوا به في دين أحد من هذه الملل‏.‏ قالت‏:‏ فكان الذي كلمه جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه فقال‏:‏ أيها الملك ‏!‏ كنا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم‏.‏ وقذف المحصنة، وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئاً، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام‏.‏ قالت‏:‏ فعدد عليه أمور الإسلام‏.‏ فصدقناه وآمنا به، فعدا علينا قومنا فعذبونا وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان‏.‏ فلما قهرونا وظلمونا خرجنا إلى بلادك، واخترناك على من سواك، ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك‏!‏ فقال له النجاشي‏:‏ هل معك مما جاء به عن الله شيء‏؟‏ فقال له جعفر‏:‏ نعم‏!‏ فقال له النجاشي‏:‏ فاقرأه عليّ فقرأ عليه صدراً من كهيعص، فبكى والله النجاشي حتى أخضل لحيته وبكى أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلا عليهم؛ ثم قال النجاشي‏:‏ إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة، ثم ذكر تأمينه لهم ورد هدايا قريش ورسلهم خائبين‏.‏ وقال ابن هشام‏:‏ وقال ابن إسحاق‏:‏ فحدثني عبد الرحمن بن الحارث بن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة عن عبد العزيز بن عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أمه أم عبد الله بنت أبي حثمة رضي الله عنها قالت‏:‏ والله‏!‏ إنا لنترحل إلى أرض الحبشة وقد ذهب عامر رضي الله عنه في بعض حاجاتنا إذ أقبل عمر بن الخطاب حتى وقف عليّ وهو على شركه، وكنا نلقى منه البلاء أذى لنا وشدة علينا، فقال‏:‏ إنه الانطلاق يا أم عبد الله‏؟‏ قلت‏:‏ نعم‏!‏ والله لنخرجن في أرض الله، آذيتمونا وقهرتمونا حتى يجعل الله لنا مخرجاً، فقال‏:‏ صحبكم الله، ورأيت له رقة لم أكن أراها، ثم انصرف وقد أحزنه فيما أرى خروجنا، فجاء عامر رضي الله عنه بحاجته تلك فقلت له‏:‏ يا أبا عبد الله‏!‏ لو رأيت عمر آنفاً ورقته وحزنه علينا‏!‏ قال‏:‏ أطمعت في إسلامه‏؟‏ قلت‏:‏ نعم‏!‏ قال‏:‏ لايسلم الذي رأيت حتى يسلم حمار الخطاب‏.‏

يأساً منه‏.‏ لما كان يرى من غلظته وقسوته عن الإسلام، قال ابن إسحاق‏:‏ وكان إسلام عمر فيما بلغني أن أخته فاطمة بنت الخطاب، وكانت عند سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل رضي الله عنهم، وكانت قد أسلمت وأسلم زوجها سعيد بن زيد وهم مستخفون بإسلامهم من عمر، وكان نعيم بن عبد الله بن النحام‏.‏ رجل من قومه بني عدي بن كعب‏.‏ قد أسلم رضي الله عنه، وكان أيضاً يستخفي بإسلامه فرقاً من قومه، وكان خباب بن الأرت رضي الله عنه يختلف إلى فاطمة بنت الخطاب رضي الله عنها يقرئها القرآن، فخرج عمر يوماً متوشحاً بسيفه يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم ورهطاً من أصحابه رضي الله عنهم قد ذكروا له أنهم قد اجتمعوا في بيت عند الصفا وهم قريب من أربعين ما بين رجال ونساء، ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم عمه حمزة بن عبد المطلب وأبو بكر بن أبي قحافة الصديق وعلي بن أبي طالب في رجال من المسلمين رضي الله عنهم أجمعين ممن كان أقام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ولم يخرج فيمن خرج إلى أرض الحبشة، فلقيه نعيم بن عبد الله رضي الله عنه فقال‏:‏ أين تريد يا عمر‏؟‏ قال أريد محمداً هذا الصابئ الذي فرق أمر قريش وسفه أحلامها وعاب دينها وسب آلهتها فأقتله، فقال له نعيم رضي الله عنه‏:‏ والله‏!‏ لقد غرتك نفسك من نفسك ياعمر‏!‏ أترى بني عبد مناف تاركيك تمشي على الأرض وقد قتلت محمداً‏!‏ أفلا ترجع إلى أهل بيتك فتقيم أمرهم‏؟‏ قال‏:‏ وأيّ أهل بيتي‏؟‏ قال‏:‏ ختنك وابن عمك سعيد بن زيد بن عمرو وأختك فاطمة بنت الخطاب فقد والله أسلما وتابعا محمداً على دينه فعليك بهما فرجع عمر عامداً إلى أخته وختنه وعندهما خباب بن الأرت رضي الله عنه وعنهما، معه صحيفة فيها طه يقرئهما إياها، فلما سمعوا حس عمر تغيب خباب بن الأرت رضي الله عنه في مخدع لهم أو في بعض البيت، وأخذت فاطمة بنت الخطاب رضي الله عنها الصحيفة فجعلتها تحت فخذها، وقد سمع عمر حين دنا من البيت قراءة خباب عليهما، فلما دخل قال‏:‏ ما هذه الهينمة التي سمعت‏؟‏ قالا له‏:‏ ما سمعت شيئاً‏؟‏ قال‏:‏ بلى‏!‏ والله لقد أخبرت أنكما تابعتما محمداً على دينه، وبطش بختنه سعيد بن زيد رضي الله عنه فقامت إليه أخته فاطمة بنت الخطاب لتكفه عن زوجها فضربها فشجها، فلما فعل ذلك قالت له أخته وختنه رضي الله عنهما‏:‏ نعم‏!‏ قد أسلمنا وآمنا بالله ورسوله، فاصنع ما بدا لك‏!‏ فلما رأى عمر ما بأخته من الدم ندم على ما صنع فارعوى وقال لأخته‏:‏ أعطيني هذه الصحيفة التي سمعتكم تقرؤون آنفاً أنظر ما هذا الذي جاء به محمد‏؟‏ وكان عمر كاتباً، فلما قال ذلك قالت له أخته‏:‏ إنا نخشاك عليها، قال‏:‏ لاتخافي، وحلف لها بآلهته ليردنها إذا قرأها إليها، فلما قال ذلك طمعت في إسلامه فقالت‏:‏ يا أخي‏!‏ إنك نجس على شركك، وإنه لا يمسها إلا الطاهر، فقام عمر فاغتسل فأعطته الصحيفة وفيها طه فقرأها، فلما قرأ منها صدراً قال‏:‏ ما أحسن هذا الكلام وأكرمه‏!‏ فلما سمع ذلك خباب رضي الله عنه خرج إليه فقال له‏:‏ يا عمر‏!‏ والله إني لأرجو أن يكون الله قد خصك بدعوة نبيه صلى الله عليه وسلم فإني سمعته أمس وهو يقول‏:‏ اللهم‏!‏ أيد الإسلام بأبي الحكم بن هشام أو بعمر بن الخطاب فالله الله يا عمر‏!‏ فقال له عمر عند ذلك‏:‏ فدلني يا خباب على محمد حتى آتيه فأسلم، فقال له خباب‏:‏ هو في بيت عند الصفا، معه فيه نفر من أصحابه، فأخذ عمر سيفه فتوحشه ثم عمد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فضرب عليهم الباب، فلما سمعوا صوته قام رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظر من خلال الباب فرآه متوحشاً السيف فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو فزع فقال‏:‏ يا رسول الله‏!‏ هذا عمر بن الخطاب متوحشاً السيف‏!‏ فقال حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه‏:‏ فأذن له، فإن كان جاء يريد خيراً بذلناه له، وإن كان جاء يريد شراً قتلناه بسيفه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ائذن له، فأذن له الرجل ونهض إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لقيه في الحجرة فأخذ بحجزته أو بمجمع ردائه ثم جبذه جبذة شديدة وقال‏:‏ ما جاء بك يا ابن الخطاب‏!‏ فوالله ما أرى أن تنتهي حتى ينزل الله بك قارعة، فقال عمر‏:‏ يا رسول الله‏!‏ جئتك لأومن بالله وبرسوله وبما جاء من عند الله، فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبيرة عرف أهل البيت من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عمر قد أسلم، فتفرق أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم من مكانهم، وقد عزّوا في أنفسهم حين أسلم عمر بن الخطاب مع إسلام حمزة رضي الله عنهما، وعرفوا أنهما سيمنعان رسول الله صلى الله عليه وسلم وينتصفون بهما من عدوهم، فهذا حديث الرواة من أهل المدينة عن أسلام عمر رضي الله عنه حين أسلم‏.‏

وكان إسلام عمر بعد إسلام حمزة رضي الله عنهما بثلاثة أيام، كما ثبت ذلك في حاشية شرح العقائد عن فوائد تمام الرازي، وصفوة الصفوة لابن الجوزي؛ قال ابن هشام‏:‏ قال ابن إسحاق‏:‏ وحدثني نافع مولى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال‏:‏ لما أسلم عمر قال‏:‏ أي قريش أنقل للحديث‏؟‏ قال‏:‏ قيل له‏:‏ جميل بن معمر الجمحي، فغدا عليه، قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما‏:‏ وغدوت أتبع أثره وأنظر ما يفعل وأنا غلام أعقل كل ما رأيت حتى جاءه فقال له‏:‏ أعلمت يا جميل أني أسلمت ودخلت في دين محمد‏؟‏ قال‏:‏ فوالله ما راجعه حتى قام يجر رداءه‏.‏ واتبعه عمر رضي الله عنه واتبعت أبي حتى إذا قام على باب المسجد صرخ بأعلى صوته‏:‏ يا معشر قريش‏!‏ وهم في أنديتهم حول الكعبة‏.‏ ألا‏!‏ إن ابن الخطاب قد صبأ قال‏:‏ يقول عمر رضي الله عنه من خلفه‏:‏ كذب ولكني قد أسلمت وشهدت أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، وثاروا إليه فما برح يقاتلهم ويقاتلونه حتى قامت الشمس على روؤسهم قال‏:‏ وطلح فقعد وقاموا على رأسه وهو يقول‏:‏ افعلوا ما بدا لكم، فأحلف بالله أن لو كنا ثلاثمائة رجل لقد تركناها أو تركتموها لنا، قال‏:‏ فبينما هو على ذلك إذ أقبل شيخ من قريش عليه حلة حبرة وقميص موشى حتى وقف عليهم فقال‏:‏ ما شأنكم‏؟‏ قالوا‏:‏ صبأ عمر، قال‏:‏ فمه‏!‏ رجل اختار لنفسه أمراً فماذا تريدون‏؟‏ أترون بني عدي بن كعب يسلمون لكم صاحبهم‏؟‏ هكذا عن الرجل‏!‏ قال‏:‏ فوالله لكأنما كانوا ثوباً كشط عنه‏.‏ وفي الروض الأنف للامام أبي القاسم السهيلي أن يونس روى عن ابن إسحاق أن عمر قال حين أسلم رضي الله عنه‏:‏

الحمد لله ذي المن الذي وجبت *** له علينا أياد ما لها غير

وقد بدأنا فكذبنا فقال لنا *** صدق الحديث نبي عنده الخبر

وقد ظلمت ابنة الخطاب ثم هدى *** ربي عشية قالوا قد صبا عمر

وقد ندمت على ما كان من زلل *** بظلمها حين تتلى عندها السور

لما دعت ربها ذا العرش جاهدة *** والدمع من عينها عجلان يبتدر

أيقنت أن الذي تدعوه خالقها *** فكاد يسبقني من عبرة درر

فقلت أشهد أن الله خالقنا *** وأن أحمد فينا اليوم مشتهر

نبي صدق أتى بالحق من ثقة *** وافى الأمانة ما في عوده خور

إذا تقرر هذا، علم أن المقصود من السورة- كما تقدم- تشريف هذا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم بإعلامه بالرفق بأمته، والإقبال بقلوبهم حتى يملؤوا الأرض كثرة، كما أنزل عليهم السكينة وهم في غاية الضعف والقلة، وحماهم ممن يريد قتلهم، ولين قلب عمر رضي الله عنه بعد ما كان فيه من الغلظة وجعله وزيراً، ثم حماه بعدوه، وتأمينه صلى الله عليه وسلم من أن يستأصلوا بعذاب، وبأنه يموت نبيهم قبلهم لا كما وقع للمهلكين من قوم نوح وهود عليهما السلام ومن بعدهم- بما دل عليه افتتاح هذه بنفي الشقاء وختم تلك بجعل الود وغير ذلك، والداعي إلى هذا التأمين أنه سبحانه لما ختم تلك بإهلاك القرون وإبادة الأمم بعد إنذار القوم اللد، ولم يختم سورة من السور الماضية بمثل ذلك، كان ربما أفهم أنه قد انقضت مدتهم، وحل بوارهم، وأتى دمارهم، وأنه لا يؤمن منهم- لما هم فيه من اللد- إلا من قد آمن، فحصل بذلك من الغم والحزن ما لا يعلم قدره إلا الله، لأن الأمر كان في ابتدائه، ولم يسلم منهم إلا نفر يسير جداً، فسكن سبحانه الروع بقوله‏:‏ ‏{‏ما أنزلنا‏}‏ بعظمتنا ‏{‏عليك‏}‏ أي وأنت أعلم الخلق ‏{‏القرآن‏}‏ أي أعظم الكتب، الجامع لكل خير، والدافع لكل ضير، الذي يسرناه بلسانك ‏{‏لتشقى*‏}‏ أي بتعب قلبك بكونك من أقل المرسلين تابعاً بعد استئصال قومك وشقائهم بإنذارك ‏{‏إلا‏}‏ أي لكن أنزلناه ‏{‏تذكرة‏}‏ أي تذكيراً عظيماً ‏{‏لمن يخشى*‏}‏ ممن أشرنا في آخر التي قبلها إلى بشارته إيماء إلى أنه سيكون فيهم من المتقين من تناسب كثرته إعجاز هذا القرآن ودوامه، وما فيه من الجمع المشار إليه بالتعبير بالقرآن لجميع ما في الكتب السالفة من الأحكام أصولاً وفروعاً، والمواعظ والرقائق، والمعارف والآداب، وأخبار الأولين والآخرين، ومصالح الدارين، وزيادته عليها بما شاء الله، لأن كثرة الأمة على قدر جلالة الكتاب، والتعبير عن «لكن» بالإشارة إلى أنه يمكن أن يكون من باب‏:‏

ولاعيب فيهم غير أن سيوفهم *** بهن فلول من قراع الكتائب

وأشار بالمصدر الجاري على غير الفعل في قوله‏:‏ ‏{‏تنزيلاً‏}‏ إلى أنه يتمهل عليهم ترفقاً بهم، ولا ينزل هذا القرآن إلا تدريجاً، إزالة لشبههم، وشرحاً لصدورهم، وتسكيناً لنفوسهم، ومداً لمدة البركة فيهم بتردد الملائكة الكرام إليهم، كما أنه لم يهلكهم بمعاصيهم اكتفاء ببينة ما في الصحف الأولى، بل أرسل إليهم رسولاً لئلا يقولوا‏:‏ ربنا لولا- كما اقتضته حكمته وتمت به كلمته، ولما كان رجوعهم إلى الدين على ما يشاهد منهم من الشدة والأنفة والشماخة التي سماهم الله بها قوماً لدّاً في غاية البعد، شرع سبحانه يذكر بقدرته إشارة إلى أن القلوب بيده يقلبها كيف شاء كما صورها كيف شاء، وأن شأنه الرفق والأناة، فقال ملتفتاً من التكلم إلى الغيبة ليدل على ما اقتضته النون من العظمة مقدماً ما اقتضى الحال تقديمه من سكن المدعوين المعتنى بتذكرتهم وهداية أريد منهم‏:‏ ‏{‏ممن خلق الأرض‏}‏ المنخفضة‏.‏

ولما قدم الأرض إعلاماً بالاعتناء برحمها بالترفق بسكانها ليملأها بالإيمان منهم تحقيقاً لمقصود السورة تشريفاً للمنزل عليه، أتبعها محل الإنزال على سبيل الترقي من بيت العزة إلى ما كنزه في خزانة العرش فقال‏:‏ ‏{‏والسماوات العلى*‏}‏ في ستة أيام، ولو شاء كانتا في لحظة‏.‏

ولما كان القادر قد لايكون ملكاً، قال دالاًّ على ملكه مادحاً له بالقطع خبراً لمبتدأ محذوف‏:‏ ‏{‏الرحمن‏}‏ مفتتحاً بالوصف المفيض للنعم العامة للطائع والعاصي؛ ثم ذكر خبراً ثانياً دالاً على عموم الرحمة فقال‏:‏ ‏{‏على العرش‏}‏ الحاوي لذلك كله ‏{‏استوى*‏}‏ أي أخذ في تدبير ذلك منفرداً، فخاطب العباد بما يفهمونه من قولهم‏:‏ فلان استوى، أي جلس معتدلاً على سرير الملك، فانفرد بتدبيره وإن لم يكن هناك سرير ولا كون عليه أصلاً، هذا روح هذه العبارة، كما أن روح قوله عليه الصلاة والسلام الذي رواه مسلم عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما «القلوب بين إصبعين من أصابع الله يقلبها كيف شاء» أنه سبحانه وتعالى عظيم القدرة على ذلك، وهو عليه يسير خفيف كخفته على من هذا الحالة، وليس المراد أن هناك إصبعاً أصلاً- نبه على ذلك حجة الإسلام الغزالي، ومنه أخذ الزمخشري أن يد فلان مبسوطة كناية عن جواد وإن لم يكن هناك بد ولا بسط أصلاً‏.‏

ولما كان الملك قد لا يكون مالكاً، قال مقدماً الأشرف على العادة‏:‏ ‏{‏له ما في السماوات‏}‏ أي كله من عاقل وغيره ‏{‏وما في الأرض‏}‏ جميعه ‏{‏وما بينهما‏}‏ أي السماوات والأرض ‏{‏وما تحت الثرى*‏}‏ وهو التراب النديّ، سواء قلنا‏:‏ إنه آخر العالم فما تحته العدم المحض أم لا‏؟‏ فبكون تحته النور أو الحوت أو غيرهما‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏7- 15‏]‏

‏{‏وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى ‏(‏7‏)‏ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ‏(‏8‏)‏ وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى ‏(‏9‏)‏ إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى ‏(‏10‏)‏ فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى ‏(‏11‏)‏ إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى ‏(‏12‏)‏ وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى ‏(‏13‏)‏ إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ‏(‏14‏)‏ إِنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى ‏(‏15‏)‏‏}‏

ولما كان الملك لا ينتظم غاية الانتظام إلا بإحاطة العلم، وكان الملك من الآدميين قد لا يعلم أحوال أقصى ملكه كما يعلم أحوال أدناه لا سيما إذا كان واسعاً ولذلك يختل بعض أمره، اعلم أنه سبحانه بخلاف ذلك، فقال حثاً على مراقبته والإخلاص له‏:‏ ‏{‏وإن تجهر بالقول‏}‏ أي بهذا القرآن للبشارة والنذارة أو لغير ذلك أو بغيره، فإنه علام به وغير محتاج إلى الجهر، فلا يتكلف ذلك في غير ما أمرت بالجهر به لغرض غير الإسماع ‏{‏فإنه يعلم السر‏}‏ وهو ما يناجي به الاثنان مخافتة ‏{‏وأخفى*‏}‏ من ذلك، وهو ما في الضمائر مما تخيلته الأفكار ولم يبرز إلى الخارج وغيره من الغيب الذي لم يعلمه غيره تعالى بوجه من الوجوه، ومنه ما سيكون من الضمائر‏.‏ ولما كان من هو بهذه الأوصاف من تمام العلم والقدرة ربما ظن أن له منازعاً، نفى ذلك بقوله معلماً أن هذا الظن باطل قطعاً لا شبهة له وأن ما مضى ينتج قطعاً‏:‏ ‏{‏الله‏}‏ مفتتحاً بالاسم الأعظم الحاوي لصفات الكبر وغيرها ‏{‏لا إله إلا هو‏}‏ ثم علل ذلك بقوله‏:‏ ‏{‏له‏}‏ أي وحده ‏{‏الأسماء الحسنى*‏}‏ أي صفات الكمال التي لا يصح ولا يتصور أن يشوبها نقص ما، بل هو متصف بها دائماً اتصافاً حقيقياً لا يمكن انفكاكه، كما يكون لغيره من الاتصاف ببعض المحاسن في بعض الأحايين ثم يعجز عنه في وقت آخر أو بالنسبة إلى زمان آخر‏.‏

ولما أتبع ذلك قصة موسى عليه السلام مصدرة باستفهام مقترن بواو عطف، وأرشد ذلك إلى أن المعنى‏:‏ هل تعلم له سمياً، أي متصفاً بأوصافه أو بشيء منها له بذلك الوصف مثل فعله، ولما كان الجواب قطعاً‏:‏ لا، ثبت أن لا متصف بشيء من أوصافه، فعطف على هذا المقدر قصة موسى عليه السلام، ويكون التقدير‏:‏ هل علمت بما ذكرناك به في هذه الآيات أنا نريد ما هو علينا يسير بما لنا من القدرة التامة والعلم الشامل من إسعادك في الدارين تكثير أجرك، وتفخيم أمرك، بتكثير أتباعك، وعطف عليه القصة شاهداً محسوساً على ما له من الاتصاف بما انتفى عن غيره من الأسماء الحسنى، ولاسيما ما ذكر هنا من الاتصاف بتمام القدرة والتفرد بالعظمة، وأنه يعلي هذا المصطفى بإنزال هذا الذكر عليه وإيصاله منه إليه النصرة على الملوك وسائر الأضداد، والتمكين في أقطار البلاد، وكثرة الأتباع، وإعزاز الأنصار والوزراء والأشياع، وغير ذلك بمقدار ما بين ابتداء أمرهما من التفاوت، فإن ابتداء أمر موسى عليه السلام أنه أتى النار ليُقبس أهله منها ناراً أو يجد عندها هدى‏.‏

فمنح بذلك من هدى الدارين والنصرة على الأعداء كما سيقص هنا ما منح، وهذا النبي الكريم كان ابتداء أمره أنه يذهب إلى غار حراء فيتعبد الليالي ذوات العدد، ويتزود لذلك اجتذاباً من الحق له قبل النبوة بمدد، تدريباً له وتقوية لقلبه، فأتته النبوة وهو في مضمارها سائر، وإلى أوجها بعزمه صائر بل طائر، وموسى عليه السلام رأى حين أتته النبوة آية العصا واليد، ومحمد صلى الله عليه وسلم كان قبل النبوة لا يمر بحجر ولا شجر إلا سلم عليه، كما أسنده ابن إسحاق في السيرة‏.‏ وروى مسلم وغيره عن جابر بن سمرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «إني لأعرف حجراً كان يسلم عليَّ قبل أن أبعث» فقال تعالى مقرراً تنبيهاً على أنه يذكر له منه ما يكفي في تسليته وتقوية قلبه، وتبكيت اليهود الذين توقفوا في أمره صلى الله عليه وسلم وغشوا قريشاً حين تكلفوا طيّ شقة البين إليهم ورضوا بقولهم لهم وعليهم ليكون فائدة الاستفهام أن يفرغ أذنه الشريفة للسماع وقلبه للوعي العظيم‏:‏ ‏{‏وهل أتاك‏}‏ أي يا أشرف الخلق‏!‏ ‏{‏حديث موسى*‏}‏ نادباً إلى التأسي بموسى عليه السلام في تحمل أعباء النبوة وتكليف الرسالة والصبر على مقامات الشدائد، وشارحاً بذكر ما في هذه السورة من سياق قصة ما أجمل منها في سورة مريم، ومقرراً بما نظمه في أساليبها ما تقدم أنه مقصد السورة من أنه يسعده ولا يشقيه، ويعزه على جميع شانئيه بإعزازه على أهل بلده بعد إخراجهم له، كما أعز موسى عليه السلام من خرج من بلادهم خائفاً يترقب، ترغيباً في الهجرة ثالثاً بعد ما رغب فيها أولاً بقصة أصحاب الكهف وثانياً بقصة أبيه إبراهيم عليه السلام، وأنه يعلي قومه على جميع أهل الأرض، وينقذهم به بعد ضعفهم من كل شدة ويغني فقرهم ويجعلهم ملوك الأرض، يذل بهم الجبابرة، ويهلك من علم شقاوته منهم كما فعل بقوم موسى، وأشار بإنجاء موسى عليه السلام على يد عدوه وإلقائه المحبة عليه وهداية السحرة دون فرعون وقومه، وعبادة بني إسرائيل العجل بعد ما رأوا من الآيات والنعم والنقم، ثم رجوعهم عنها إلى عظيم قدرته على التصرف في القلوب لمن كان يبخع نفسه لكفرهم بهذا الحديث أسفاً، وكذا ما في قصة آدم عليه السلام من قوله ‏{‏فنسي ولم نجد له عزماً‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 115‏]‏ وقوله ‏{‏ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 122‏]‏ ولعله أشار بقوله ‏{‏واحلل عقدة من لساني‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 27‏]‏ إلى ما أنعم الله به عليه من تيسير هذا الذكر بلسانه، وأرشد بدعاء موسى عليه السلام بشرح الصدر وتيسير الأمر وطلب وزيراً من أهله إلى الدعاء بمثل ذلك حتى دعا المنزل عليه هذا القرآن بأن يؤيد الله الدين بأحد الرجلين، فأيده بأعظم وزير‏:‏ عمر بن الخطاب رضي الله عنه- كما مضى هذا إلى تمام ما اشتمل عليه سياق قصة موسى عليه السلام هنا، إتماماً لتبكيت اليهود على تعليمهم قريشاً أن يسألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن الروح، وما ذكر معها من دقائق، من أمر قصة نبيهم صلى الله عليه وسلم، لا يعلمها أحد منهم أو إلا حذّاقهم، منها أن الموعد كان يوم الزينة، ومنها إيمان السحرة إيماناً كاملاً، ومنها التهديد بتصليبهم في جذوع النخل، ومنها إلقاء السامري لأثر الرسول، فإني لم أر أحداً من اليهود يعرف ذلك، وأخبرني بعض فضلائهم أنه لا ذكر لذلك عندهم‏.‏

وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير في برهانه‏:‏ لما ذكر سبحانه قصة إبراهيم عليه السلام وما منحه وأعطاه، وقصص الأنبياء بعده بما خصهم به، وأعقب ذلك بقوله تعالى ‏{‏أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 58‏]‏ وكان ظاهر الكلام تخصيص هؤلاء بهذه المناصب العلية، والدرجات المنفية الجليلة لا سيما وقد اتبع ذلك بقوله ‏{‏فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غياً‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 59‏]‏ كان هذا مظنة إشفاق وخوف فاتبعه تعالى بملاطفة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ملاطفة المحبوب المقرب المجتبى فقال ‏{‏ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى‏}‏ وأيضاً فقد ختمت سورة مريم يقوله ‏{‏وكم أهلكنا قبلهم من قرن هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزاً‏}‏ بعد قوله ‏{‏وتنذر به قوماً لداً‏}‏ وقد رأى عليه الصلاة والسلام من تأخر قريش عن الإسلام ولددها ما أوجب إشفاقه وخوفه عليهم‏.‏ ولا شك أنه عليه الصلاة والسلام يحزنه تأخير إيمانهم، ولذلك قيل له ‏{‏فلا تحزن عليهم‏}‏ فكأنه عليه الصلاة والسلام ظن أنه يستصعب المقصود من استجابتهم، أو ينقطع الرجاء من إنابتهم فيطول العناء والمشقة، فبشره سبحانه وتعالى بقوله‏:‏ ‏{‏ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى‏}‏ فلا عليك من لدد هؤلاء وتوقفهم، فيستجيب من انطوى على الخشية إذا ذكر وحرك إلى النظر في آيات الله كما قيل له في موضع آخر ‏{‏فلا يحزنك قولهم‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 65‏]‏ ثم تبع ذلك سبحانه تعريفاً وتأنيساً بقوله ‏{‏الرحمن على العرش استوى‏}‏ إلى أول قصص موسى عليه السلام، فأعلم سبحانه أن الكل خلقه ملكه، وتحت قهره وقبضته لا يشذ شيء عن ملكه‏.‏ فإذا شاهد آية من وفقه لم يصعب أمره، ثم اتبع ذلك بقصة موسى عليه السلام، وما كان منه في إلقائه صغيراً في اليم، وما جرى بعد ذلك من عجيب الصنع وهلاك فرعون وظهور بني إسرائيل، وكل هذا مما يؤكد القصد المتقدم، وهذا الوجه الثاني أولى من الأول- والله أعلم، انتهى‏.‏ ‏{‏إذ‏}‏ أي حديثه حين ‏{‏رأى ناراً‏}‏ وهو راجع من بلاد مدين ‏{‏فقال لأهله امكثوا‏}‏ أي مكانكم واتركوا ما أنتم عليه من السير؛ ثم علل أمره بقوله‏:‏ ‏{‏إني ءانست‏}‏ أي أبصرت في هذا الظلام إبصاراً بيناً لا شبهة فيه من إنسان العين الذي تبين به الأشياء، وهو مع ذلك مما يسر من الإنس الذين هم ظاهرون ما ترك بهم ‏{‏ناراً‏}‏ فكأنه قيل، فكان ماذا‏؟‏ فقال معبراً بأداة الترجي لتخصيصه الخبر الذي عبر به في النمل بالهدى‏:‏ ‏{‏لعلي ءاتيكم‏}‏ أي أترجى أن أجيئكم ‏{‏منها بقبس‏}‏ أي بشعلة من النار في رأس حطبة فيها جمرة تعين على برد هذه الليلة ‏{‏أو أجد على‏}‏ مكان ‏{‏النار هدى*‏}‏ أي ما أهتدي به لأن الطريق كانت قد خفيت عليهم ‏{‏فلما أتاها‏}‏‏.‏

ولما كان في الإبهام ثم تعيين تشويق ثم تعظيم، بنى للمفعول قوله‏:‏ ‏{‏نودي‏}‏ من الهدى الذي لا هدى غيره؛ ثم بين النداء بقوله‏:‏ ‏{‏يا موسى*‏}‏ ولما كان المقام للتعريف بالأيادي تلطفاً، قال مؤكداً، تنبيهاً له على تعرف أنه كلامه سبحانه من جهة أنه يسمعه من غير جهة معينة وعلى غير الهيئة التي عهدها في مكالمة المخلوقين، مسقطاً الجار في قراءة ابن كثير وأبي عمرو وأبي حفص بالفتح، وحاكياً بقول مقدر عند الباقين‏:‏ ‏{‏إني أنا ربك‏}‏ أي المحسن إليك بالخلق والرزق وغيرهما من مصالح الدارين ‏{‏فاخلع نعليك‏}‏ كما يفعل بحضرات الملوك أدباً، ولتنالك بركتها ولتكون مهيأً للإقامة غير ملتفت إلى ما وراءك من الأهل والولد، ولهذا قال أهل العبارة‏:‏ النعل يدل على الولد‏.‏

ثم علل بما يرشد إلى أنه تعالى لا يحويه مكان ولا يجري عليه زمان فقال‏:‏ ‏{‏إنك بالواد المقدس‏}‏ أي المطهر عن كل ما لا يليق بأفنية الملوك؛ ثم فسره بقوله‏:‏ ‏{‏طوى*‏}‏ ولما كان المعنى‏:‏ فإني اخترته تشريفاً له من بين البقاع لمناجاتك، عطف عليه قوله‏:‏ ‏{‏وأنا اخترتك‏}‏ أي للنبوة ‏{‏فاستمع‏}‏ أي أنصت ملقياً سمعك معملاً قلبك للسماع ‏{‏لما‏}‏ أي اخترتك للذي، وقدم استمع اهتماماً به ‏{‏يوحى*‏}‏ أي يقال لك مني سراً مستوراً عن غيرك سماعه وإن كان في غاية الجهر، كما يفعل الحبيب مع حبيبه من صيانة حديثهما عن ثالث بما يجعل له من الخلوة إعلاماً بعلو قدره وفخامة أمره؛ ثم فسر الموحى بأول الواجبات وهو معرفة الله تعالى؛ فقال مؤكداً لعظم الخبر وخروجه عن العادات‏:‏ ‏{‏إنني أنا الله‏}‏ فذكر الاسم العلم لأن هذا مقامه إذ الأنسب للملطوف به- بعد التعرف إليه بالإكرام- الإقامة في مقام الجلال والجمال‏.‏

ولما كان هذا الاسم العلم جامعاً لجميع معاني الأسماء الحسنى التي علت عن أن يتصف بها أو بشيء منها حق الاتصاف غيره تعالى، حسن تعقيبه بقوله‏:‏ ‏{‏لا إله إلا أنا‏}‏ ولما تسبب عن ذلك وجوب إفراده بالعبادة، قال‏:‏ ‏{‏فاعبدني‏}‏ أي وحدي‏:‏ ثم خص من بين العبادات معدن الأنس والخلوة، وآية الخضوع والمراقبة وروح الدين فقال‏:‏ ‏{‏وأقم الصلاة‏}‏ أي التي أضاعها خلوف السوء، إشارة إلى أنها المقصود بالذات من الدين، لأنها أعلى شرائعه لأنها حاملة على المراقبة، بما فيها من دوام الذكر والإعراض عن كل سوء، وذلك معنى ‏{‏لذكري*‏}‏ وذلك أنسب الأشياء لمقام الجلال، بل هي الجامعة لمظهري الجمال والجلال؛ ثم علل الأمر بالعبادة بأنه لم يخلق الخلق سدى، بل لا بد من إماتتهم، ثم بعثهم لإظهار العظمة ونصب موازين العدل، فقال مؤكداً لإنكارهم معبراً بما يدل على سهولة ذلك عليه جداً‏:‏ ‏{‏إن الساعة ءاتية‏}‏ أي لاريب في إتيانها، فهي أعظم باعث على الطاعة‏.‏

ولما كان بيان حقيقة الشيء مع إخفاء شخصه ووقته وجميع أحواله موجباً في الغالب لنسيانه والإعراض عنه، فكان غير بعيد من إخفائه أصلاً ورأساً، قال مشيراً إلى هذا المعنى‏:‏ ‏{‏أكاد أخفيها‏}‏ أي أقرب من أن أجدد إخفاءها، فلذا يكذب بها الكافر بلسانه والعاصي بعصيانه فالكافر لا يصدق بكونها والمؤمن لا يستعد غفلة عنها، فراقبني فإن الأمر يكون بغتة، ما من لحظة إلا وهي صالحة للترقب؛ ثم بين سبب الإتيان بها بقوله‏:‏ ‏{‏لتجزى‏}‏ أي بأيسر أمر وأنفذه ‏{‏كل نفس‏}‏ كائنة من كانت ‏{‏بما تسعى*‏}‏ أي توجد من السعي في كل وقت كما يفعل من أمر ناساً بعمل من النظر في أعمالهم ومجازاة كل بما يستحق‏.‏